ملفات ساخنة

ســراب المـواطـنـة في “سـوريـا الجـديـدة”: بـرودة التصـريـحـات وحـرارة المجـازر

​في استعراضٍ سياسي أمام المحافل الدولية، أطل وزير خارجية السلطة المؤقتة في جنيف، أسعد الشيباني، بتصريحات “حداثية” تزعم ذوبان الفوارق بين المكونات السورية تحت سقف الدستور، مدعياً في إجابته حول أوضاع الأقليات بأنه “لا أقليات ولا أكثريات في سوريا، بل مواطنون محميون بالقانون”. غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي الهادئ سرعان ما يصطدم بوقائع دموية على الأرض، تروي قصة مغايرة تماماً لسلطةٍ أحكمت قبضتها على دمشق منذ أواخر عام 2024، ممارسةً سياسة إقصاءٍ ممنهجة خلف قناع “الدولة الجامعة”.

​تلك الإجابات المنمقة التي يسوّقها الشيباني في الخارج، يراها ناشطون وحقوقيون مجرد غطاءٍ لسياساتٍ قمعية مارستها الأجهزة التابعة للجولاني منذ لحظة الاستيلاء على الحكم؛ فالأرقام والتقارير الدولية توثق واقعاً إبادياً تعرضت له المكونات السورية خلال أقل من عام، حيث شهدت مناطق الساحل في آذار 2025، ومحافظة السويداء في تموز من العام نفسه، مجازر مروعة راح ضحيتها آلاف المدنيين، في هجماتٍ حملت طابعاً انتقامياً وتصفوياً واضحاً، ما يجعل الحديث عن “الحقوق الدستورية” مجرد استهلاكٍ إعلامي لتجميل صورة سلطةٍ قامت على أنقاض التعددية.

​ولعل عبارة “لدينا مواطنون سوريون” التي أطلقها الوزير في جنيف، تعيد إلى الذاكرة المأساوية قصة “منير الرجمة”، ابن بلدة الثعلة بريف السويداء، الذي حاول التمسك بهويته الوطنية حين سأله عناصر من وزارة الدفاع التابعة للسلطة عن دينه، فأجاب بـأنه “سوري”، لكن هذا الجواب الذي يتغنى به الشيباني اليوم كان صك إعدامٍ لمنير بالأمس؛ إذ لم تعترف الرصاصات بمفهوم “المواطنة” الذي يغيب فور السؤال عن الهوية الدينية، لتتحول جثته إلى شاهدٍ على زيف الخطاب الرسمي الذي يفصل بين “النظرية” في المؤتمرات و”الممارسة” في الميادين.

​واليوم، ورغم توفر الأدلة الدامغة ومقاطع الفيديو التي وثقها الجناة بأنفسهم أثناء ارتكاب جرائمهم ونشرها بتباهٍ، لا يزال القتلة وقادتهم بعيدين عن أي محاسبة قضائية، بل يحظون بحمايةٍ من هرم السلطة الذي يشرعن أفعالهم بصمتٍ مطبق. وبينما يستمر الشيباني في سرد قصص “المواطنة” أمام المجتمع الدولي، يبقى سؤال القتلة الذي سبق إطلاق النار على الضحايا: “إيش يعني سوري؟” مدوياً في آذان الناجين، كإعلانٍ صريح عن فشل مشروع “الدولة” وسقوطه في فخ العنصرية والدموية، وتحوّل المواطنة إلى مجرد وهمٍ تسوقه سلطة لا ترى في السوريين سوى أهدافٍ محتملة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى