مجتمع

آمال خليل قالت إنّها بخير.. ورحلت

فؤاد بزي - الاخبار

رحلت آمال خليل في المكان الأحبّ على قلبها، في المنطقة التي ارتبط اسمها بها، وعلى خط النار الأكثر اشتعالاً، في جنوب الجنوب. رحلت «مراسلة الجنوب» في جريدة «الأخبار».
كعادتها آمال، اختارت الوقت المناسب، والمسرح الملائم، لترسم في رحيلها قصة أيضاً، ولكن هذه المرّة نحن سنرويها لأنّ آمال أبت إلا أن تلاعب الموت لتهزمه، وتختار عنه طريقة رحيلها لتكون قتل الشهادة، فتفوز برواية أخيرة عن وحشية هذا العدو، وهي التي امتهنت منذ 14 آب 2006، أي منذ لحظة صدور العدد الأول من «الأخبار»، أن تكون صوت الجنوب ونبضه والمرآة التي تعكس مشكلات المنطقة ومعاناتها مع العدو والدولة.

على بعد أيام من مشاركة مهرج جيش الاحتلال إحدى مواد جريدة «الأخبار» المنتجة من قبل الزميلة آمال خليل، قامت آلة القتل الصهيونية بملاحقة كلّ من خليل والزميلة المصورة زينب فرج في قرية الطيري الجنوبية، المحاذية لبنت جبيل، واستهدفت بالغارات الجوية المنطقة التي تواجدتا فيها، ما أدّى إلى إصابة فرج بجروح بالغة وفقدان الاتصال بخليل التي استمرّ البحث عنها إلى قرابة منتصف الليل، قبل أن تجدها آليات الدفاع المدني تحت سقفين انهارا عليها جرّاء غارة معادية على البيت الذي اختبأت فيها.

قصة ملاحقة جيش الاحتلال للزميلة آمال خليل ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات مضت، لا سيّما وأنّها من الصحافيين الذين قرروا اتخاذ خط المواجهة مع العدو في الجنوب مستقراً لهم. ففي فترة حرب الاسناد تعرّضت خليل وعدد من الزملاء إلى استهدافات مباشرة من جيش العدو، وكانت النجاة من نار القذائف تحسب أحياناً بالأمتار. وفي حرب الـ 66 يوماً عام 2024، استهدف منزل ذوي خليل ونجت يومها من الموت بفارق ثوان لدى خروجها من المكان الذي دكته الطائرات المعادية بالغارات يوم 23 أيلول 2024.

أمس، حاولت خليل الوصول إلى آخر القرى قبل المنطقة المحتلة، أي قرية الطيري. في طريقها إلى المكان استهدفت مسيّرة معادية سيارة كانت تمشي أمامها، واستشهد فيها شابان من بنت جبيل هما المختار علي نبيل بزي ومحمد أيمن حوراني. ولدى وقوع الاستهداف الأول، توقفت خليل وترجلت من سيارتها، وقامت بإبلاغ الفرق الصحية عن الضربة، طالبةً منهم الحضور لنقل الشهداء.
أكثر من زميل عاين الاعتداء أكد أن ما ارتكبه العدو «جريمة موصوفة عن سبق إصرار وتصميم». فبعد أن أغار الطيران المعادي المُسيّر على السيارة المدنية في الطيري، والتي كانت ترافق سيارة الزميلتين، وسقط شهيدان فيها، انتقلت الزميلتان إلى مكان قريب من شجرة للاحتماء.

يقول المسعفون إنّهم طلبوا من خليل التراجع فوراً وترك المنطقة، ولكنّها لم تستطع التحرّك وفقاً لما ينقلون عنها بسبب فداحة الإصابات

هنا، يقول المسعفون إنّهم طلبوا من خليل التراجع فوراً وترك المنطقة، ولكنّها لم تستطع التحرّك وفقاً لما ينقلون عنها بسبب فداحة الإصابات في السيارة التي كانت أمامها. وعندما استجمعت قواها وهمّت بالرحيل من المنطقة مع زميلتها زينب فرج، أغار الطيران المسيّر مرّة أخرى واستهدف هذه المرّة سيارة خليل، فعطلها تماماً.

ومباشرةً بعد الغارة، بدأت الاتصالات مع الفرق الإسعافية والجيش اللبناني، قبل أن توكل مهمة إجلاء الزميلتين إلى الصليب الأحمر، الذي انتظر من لجنة «الميكانيزم» الإذن للتحرك. عندها، تواصلت خليل مع أحد الزملاء وأبلغته بالأمر، قبل أن تلجأ مع فرج إلى قرب أحد المنازل للاحتماء، بانتظار وصول الصليب الأحمر، الذي لم يكن قد حصل على الإذن بعد.

بعد ذلك بأكثر من نصف ساعة، كان فيها العدو يرفض السماح بالوصول إلى مكان الزميلتين، وأُشيع أنه طلب من قوات الـ«يونيفيل» عدم سلوك طريق عام حداثا – بنت جبيل، أغار الطيران الحربي المعادي على الطيري، ليتبين لاحقاً أنه استهدف المنزل الذي احتمت فيه الزميلتان. بعد ذلك بنحو عشر دقائق، وعندما اطمأنّ العدو إلى تنفيذ هدفه بقتل خليل وفرج، أُعطي الإذن لسيارات الصليب الأحمر بالتحرك.

وعلى الرغم من كلّ ما سبق من التهديدات المباشرة، وملاعبة الموت، لم تتراجع خليل عن رسالتها الإنسانية أولاً والمهنية ثانياً، فبقيت في الجنوب في الحرب الأخيرة، ولم تغادر خطوط المواجهة. وشاركت في إيلام العدو بنقل الصور المباشرة من مواجهات الخيام، وخرجت في رسائل مصورة ومقاطع حصرية تظهر بشكل واضح أنّ جيش العدو الذي يدعي أنّه «لا يقهر» لم يتمكن من السيطرة على مدينة تبعد حدوده أقل من 3 كيلومترات، وتضمنت المقاطع المصورة التي نقلتها أصوات تبادل إطلاق النار بين جنود العدو والمقاومة. وفي الناقورة، أظهرت صور خليل ضراوة المواجهات مع المقاومين والدبابات التي تتفجر على الهواء مباشرة.

ومن الناحية الإنسانية، نقلت خليل صورة صمود الجنوبيين على حقيقتها، فواكبت قصص الصامدين في قراهم التي غطت أخبارها في طول الجنوب وعرضه، من رأس الناقورة إلى كفركلا، فشبعا والعرقوب، ونقلت صورهم إلى العالم. وتمكنت بوسائل بسيطة، من كاميرا وميكروفون، مقارنةً مع ملايين الدولارات التي تصرف على الماكينات الإعلامية الساعية لتشويه صورة المقاومة وشعبها من نقل صورة نقية، تعبّر فعلاً عن قهر الجنوبي وقدرته على التحدي والصمود وإعادة الإعمار وزراعة أرضه، حتى لو أطبقت السماء بالمسيّرات فوق رأسه.

شيرين أبو عاقلة بنسختها اللبنانية

حتى عندما سنحت فرصة المثيل للشهيدة آمال خليل، اختارت أن تمثل دور شهيدة صحافية، اغتالتها يد الغدر الصهيونية، هي الصحافية شيرين أبو عاقلة (1971-2022).
كأنّها تعلم أنّها سترحل بالطريقة نفسها التي رحلت فيها شيرين أبو عاقلة، وعلى يد القاتل نفسه. بالنسبة للشهيدة آمال خليل لم تكن قضية المقاومة تفصيلاً عابراً، بل أمراً متجذراً في القناعة والتصرفات اليومية والخيارات المهنية أيضاً. فهي اختارت الجنوب على الرغم من أنّ المؤسسة الصحافية التي عملت فيها على مدى 20 سنة تقريباً لم تطلب منها الاستقرار هناك، بل على العكس هي كانت مع انطلاق «الأخبار» في مكاتب بيروت، إلا أنّها، وكما روت في أكثر من مناسبة، لم تستطع البقاء طويلاً في بيروت وصوت الجنوب يناديها، فرحلت واختارت المواجهة اليومية مع العدو الذي أرسل لها تهديداته مراراً، إلا أنّها لم تتراجع، وكانت خطوتها الأخيرة في وجهه في الطيري المقابلة لبنت جبيل.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى