أحوال الموحدين

رسالة المرجع الصايغ.. بين إعادة البوصلة نحو “جوهر التوحيد” وتأكيد حقيقة الإنتماء

بقلم: يوسف الصايغ

جاءت الرسالة التي وجهها المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز الشيخ أبا يوسف أمين الصايغ، لتحمل في طياتها جملة من الثوابت التوحيدية في ظل العواصف التي تشهدها المنطقة، والتي يتأثر بها الموحدون الدروز بشكل او بآخر، فكان كلام المرجع الصايغ واضحا في التأكيد ان “أننا جماعة لا تُقاس بحجمها بل بعمق تجربتها ومدى الوفاء لقيمها وقدرتها على صون هويتها”، وتأتي أهمية هذا الموقف في ظل ما يتعرض له الموحدون من محاولات للعبث بتاريخهم التوحيدي ومحاولة سلخهم عن جذورهم والسعي لجعلهم ملحقين بمذاهب وطوائف أخرى تحت عناوين وذرائع سياسية، من شأنها ان تطمس حقيقة المذهب التوحيدي، وهذا ما أشار اليه المرجع الصايغ بوضوح عندما حدد جوهر ومضمون دين التوحيد بأن “الموحدون جماعة لا تعرّفها الجغرافيا ولا تحصيها الخرائط، بل مسار روحي ممتد وتجربة ممتدة في عمق الزمن، وبناء الوجود عبر تراكم الحكمة والبصيرة”.
رسالة المرجع الصايغ أعادت توجيه البوصلة نحو “جوهر التوحيد” حيث أشار الى اننا “حسمنا الخيار منذ 1400 عام إسلامنا هو تسليم كلي لله جل وعلا، مذهبنا عقل ومسلكنا توحيدوهويتنا الانتماء لصيانة العرض والارض، فالانتماء ليس قيداً بل جذور وليس انغلاقا بل امتداد”.
وكان بارزا أن رسالة المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز تضمنت تحذيرا من الانتماء المزيف الذي يحاول البعض تسويقه فحذر مما أسماه “انتماءا يُعمي وانتماءا يُقصي، وانتماء يُحول الانسان من باحث عن الحقيقية الى حارس للوهم”، بالمقابل أكد أن “الانتماء الحق هو ليس ان نُشابه غيرنا بل ان تصدق نفسك، وتوجه الى أبناء طائفة الموحدين مشددا أنه “إذا أردتم هوية لا تهز فهي تُبنى على القيم قبل الاسماء وعلى الحق قبل الجماعة، وعلى الصدق قبل المظاهر”.
كما تضمنت رسالة المرجع الصايغ تحديدا لحقيقة الانتماء حيث أكد ان الانسان لا يعرف بما يملكه بما ينتمي اليه وينتمي اليه، لافتا الى ان “طائفة الموحدين عاشت في قلب الأديان دون ان تذوب فيها، وحملت سيف العرب والمسلمين وقيم الانبياء والمرسلين دون رهن قرارها لأحد، فنحن كنا ولا زلنا لغز التاريخ الذي إستعصى على الكسر، ونحن لسنا منافسين لأحد على دينه، فنحن نرى في كل الأديان تجليات للحقيقة الواحدة غير اننا نتمسك بتقديرنا الذي يحمي”.

وفي عبارات ملؤها العزم والثقة توجه المرجع الصايغ الى الآخرين بالقول: “لا تخطئوا في قراءة تاريخ الموحدين، فنحن لسنا أقلية تبحث عن حماية بل أصل يمنح الشرعية لمن يحترم وجوده، فولائنا ثابت لا يطلب شهادة من احد فنحن قلب هذه المنطقة دافعنا عنها قبل ان تولد الدول الحديثة، وعروبتنا فعل لا قول وتوحيدنا عهد لا شعار”.
كما تضمنت رسالة المرجع الصايغ تحديدا لمفهوم السياسة حيث أشار الى أن “السياسة ليست مجرد خطابات بل أثر ووعي رصين يبني الأوطان، وان وثيقة 1400 عام ليست ورقة سياسية بل خلاصة جماعة لم تكتب هويتها بالحبر بل صهرتها التجارب في بوتقة الصمود”.
وبلغة الواثق قال المرجع الصايغ:”لسنا عابرين في تاريخ هذا الشرق بل أحد أعمدته التي لم تزدها العواصف الا تجبراً، فلا تراهنوا على تشتيتنا فالهوية عندنا ليست ورقة تفاوض بل قدر محتوم، وإذ دعا الى احترام خصوصية وكرامة طائفة الموحدين، كان المرجع الصايغ واضحا في التأكيد على قدرة أبناء الطائفة في التحول من السلم المُطلق الى الدفاع المستميت اذا مست جذورها وثوابتها، وخاطب الآخرين مؤكدا أن “مصلحتكم السياسية الحقيقية تبدأ من احترام هذا الاستقلال الوجداني للموحدين، لا من محاولة شق صفوفهم او اذابة هويتهم في مشاريع عابرة، فأنتم لا تواجهون افرادا بل جسدا واحدا يجمعه صفاء التوحيد وصدق الانتماء”.
كما شدد المرجع الصايغ على أن “الهوية ثابتة والسياسة متغيرة، نمد يد الشراكة الى كل شريك في الوطن والانسانية لكننا لا نرهن ثوابتنا 14 قرناً لتقلبات المصلحة الطارئة، ولفت الى أن “قوتنا التي استعصت على الكسر طوال قرون من الزمن، تنبع من ركيزة حفظ الاخوان التي تحول الفرد الى أمة وتبني حول الهوية اسرار لا تخرقها الفتن، مشددا على أن “صدق اللسان حصانة من خداع السياسة”.
وختم المرجع الصايغ رسالته بالتأكيد على صفات أهل التوحيد حين قال: “نحن قوم نزن الرجال بالعقل والعهود بالوفاء، ومن أرادنا وجدنا في طليعة المدافعين عن الحق، ومن أراد العبث بهويتنا وجد أمامه تاريخاً لا يلين ثبِتنا حيث اهتز الاخرين وبقينا حيث مضى العابرون، فالتوحيد ليس طقسا يُمارس بل عهد غليظ والسلام”.
بإختصار يمكن القول أن الرسالة التي وجهها المرجع الروحي الأعلى لطائفة الموحدين الدروز الشيخ أبا يوسف أمين الصايغ، حملت في ثناياها اتجاه البوصلة نحو “جوهر التوحيد” من جهة وتأكيد حقيقة الإنتماء من جهة ثانية، ما يشكل ردا واضحا وثابتا على محاولات البعض للعبث بتاريخ وحقيقة جوهر الدين التوحيدي، والذي عبّر عنه المرجع الصايغ بعبارة “نحن كنا ولا زلنا لغز التاريخ الذي إستعصى على الكسر”، فهل من يدرك ويحسن قراءة هذه الرسالة – النداء التي تأتي في ظل العواصف الهوجاء التي تعصف بالجميع وتهدد بالدخول في آتون المجهول؟

يوسف الصايغ

صحافي لبناني يحمل شهادة الاجازة في الإعلام من كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية. عمل في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية الاخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى