ملفات ساخنة

مضيق هرمز بين شرعية القانون وضرورات القوة: قراءة في الاستراتيجية الإيرانية ضمن قانون البحار

بقلم: د. هشام الأعور

في لحظة إقليمية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع قواعد القانون الدولي، يبرز مضيق هرمز ليس فقط كممر حيوي للطاقة العالمية، بل كساحة اختبار حقيقية لحدود النظام القانوني الدولي عندما يُوضع تحت ضغط الصراع. فالقضية لم تعد تدور حول نصوص مجردة بقدر ما تتصل بكيفية توظيف هذه النصوص في سياق نزاع مفتوح، حيث تسعى كل دولة إلى إعادة تفسير القواعد بما يخدم أمنها القومي وموقعها الاستراتيجي.
ضمن هذا الإطار، لا يمكن مقاربة السلوك الإيراني بمعزل عن قراءته في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، أو ما يُعرف باتفاقية جامايكا لعام 1982، والتي تشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم الملاحة في المضائق الدولية. فإيران لا تنطلق من فراغ قانوني حين تؤكد حقها في تنظيم المرور في المضيق، بل تستند إلى ما تعتبره احتفاظاً بسيادتها ووظيفتها الأمنية كدولة مشاطئة، وترى أن الاتفاقية، رغم تكريسها لمبدأ “المرور العابر”، لم تُلغِ بالكامل حق الدول في اتخاذ تدابير لحماية أمنها، خاصة في ظروف استثنائية تتصل بتهديدات مباشرة أو غير مباشرة.
من هذا المنظور، يُفهم التوجه الإيراني نحو إقفال المضيق أو تقييد الملاحة فيه كجزء من مقاربة أوسع تقوم على استخدام القانون كأداة دفاعية، وليس فقط كقيد. فإيران تدفع باتجاه تفسير موسّع لمفهوم “الضرورة الأمنية”، معتبرة أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تتعرض لها، سواء من الولايات المتحدة أو من خلال البيئة الإقليمية المرتبطة بإسرائيل، تضعها في موقع يبرر اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية توازنها الاستراتيجي. ورغم أن هذا التفسير يصطدم بالقراءة التقليدية التي تعتبر أن حق المرور العابر غير قابل للتعطيل، إلا أنه يعكس اتجاهاً متنامياً في العلاقات الدولية حيث تتحول القواعد إلى أدوات قابلة لإعادة التكييف تحت ضغط الوقائع.
في المقابل، فإن أي محاولة أميركية لفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية تثير إشكالية قانونية موازية، إذ إن الحصار، في طبيعته، عمل من أعمال الحرب لا يكتسب شرعيته إلا ضمن نزاع مسلح واضح ووفق ضوابط محددة. وفي حال وجود ترتيبات تهدئة أو هدنة، فإن المسألة تصبح أكثر حساسية، لأن الاتجاه الغالب في القانون الدولي يميل إلى اعتبار الهدنة وقفاً عاماً للأعمال العدائية ما لم يُنص على خلاف ذلك صراحة. وبالتالي، فإن الاستمرار في ممارسة ضغوط بحرية في ظل هدنة غير محددة النطاق قد يُفسَّر كخرق لها، أو كاستخدام للقوة خارج الإطار المشروع.
هنا تتكشف مفارقة أساسية: كل من طهران وواشنطن يستند إلى القانون الدولي، لكن كل منهما يقرأه من زاوية مختلفة تعكس موقعه في معادلة القوة. فبينما تتمسك الولايات المتحدة بمبدأ حرية الملاحة كقاعدة مطلقة تكاد تكون فوق النزاع، ترى إيران أن هذه الحرية لا يمكن أن تُفصل عن السياق الأمني والسياسي الذي تعمل ضمنه، وأن تحويل المضائق إلى ممرات “محايدة” بالكامل في ظل استهدافها اقتصادياً وعسكرياً يشكّل إخلالاً بتوازن المصالح.
ولا يمكن فصل هذا الجدل عن الطبيعة الخاصة للمضائق الدولية، التي تختلف جذرياً عن القنوات البحرية مثل قناة السويس، إذ إن المضيق، بوصفه ممراً طبيعياً ذا وظيفة دولية، يحدّ من سيادة الدول المشاطئة ويخضعها لمنطق الاستخدام الجماعي. غير أن هذا التقييد للسيادة يصبح موضع إعادة نظر حين تشعر الدولة المعنية بأن هذا “الاستخدام الجماعي” يُستثمر ضدها في سياق صراع أوسع.
لقد أظهرت تجارب سابقة، ولا سيما خلال حرب الناقلات، أن المضائق لا تُغلق دائماً بقرار رسمي، بل قد تُعطّل عملياً عبر استهداف الملاحة ورفع مستوى المخاطر، ما يخلق واقعاً جديداً دون إعلان قانوني صريح. وفي هذا السياق، يبدو التلويح الإيراني بإقفال مضيق هرمز أقرب إلى أداة ردع استراتيجية منه إلى خيار قانوني مكتمل، إذ إن كلفته لا تقتصر على الخصوم، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي برمته، وهو ما يجعل استخدامه محكوماً بحسابات دقيقة.
في المحصلة، لا يمكن اختزال مسألة إقفال مضيق هرمز في ثنائية “مشروع أو غير مشروع”. فالقانون الدولي، كما تكشف هذه الحالة، لا يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة تتداخل فيها القوة مع التأويل. وإيران، في سلوكها، لا تخرج كلياً عن هذا الإطار، بل تسعى إلى إعادة تموضع داخله عبر توسيع هامشها القانوني تحت ضغط التهديد. وبين النصوص الصلبة والوقائع المتحركة، يبقى الحسم رهناً بميزان القوى، حيث يتحول القانون من مرجعية حاكمة إلى أداة ضمن أدوات الصراع الاستراتيجي.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى