الدروز السوريون بعد تموز 2025: قراءة تحليلية في تصريحات الشيخ حكمت الهجري
بقلم: د. هشام الأعور

تُعد المقابلة الأخيرة للشيخ حكمت الهجري مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” مصدرًا مهمًا لفهم الواقع الدّرزي السوري بعد أحداث تموز 2025، لما تحتويه من إشارات واضحة عن تطلعات المجتمع الدرزي وأزماتهم المستمرة. قراءة تحليلية للنص الكامل تكشف عن الكثير من التفاصيل التي غالبًا ما تُغيبها وسائل الإعلام السورية، والتي اعتمدت على اجتزاء التصريحات لتقديم صورة مشوهة أو مضللة عن موقف الشيخ الهجري والهواجس الدرزية.
مجزرة تموز 2025: تداعيات مستمرة
يشير الشيخ الهجري في حديثه إلى مجزرة تموز 2025 التي أودت بحياة أكثر من 2000 درزي، وشملت عمليات إعدام جماعي، تعذيب، اغتصاب، وحرق أشخاص أحياء، بينهم نساء وأطفال ورضع. كما أن أكثر من 200 شخص ما زالوا مخطوفين لدى السلطات، بينهم أطفال لم يُعرف مصيرهم بعد. هذه الوقائع، بحسب كلامه، تُظهر استمرار سياسة الإقصاء والعقاب الجماعي ضد المجتمع الدرزي في محافظة السويداء، والتي تعد أكبر تجمع درزي في العالم. السيطرة على نحو 36 قرية محروقة، أي حوالي 5% من مساحة المحافظة، تعكس حجم الخسائر المادية والمعنوية للمجتمع.
العلاقات الإقليمية والخيارات الاستراتيجية
تطرّق الشيخ الهجري إلى علاقات الدروز مع إسرائيل، مشيرًا إلى أنها اجتماعية وعائلية في الأساس، لكنه أشار أيضًا إلى التدخل الإسرائيلي العسكري الذي ساهم في حماية الدروز من الإبادة الجماعية. من زاوية تحليلية، يعكس هذا تصريحًا واضحًا عن شعور مجتمع الأقليات بعدم وجود حماية كافية من الدول العربية أو المجتمع الدولي، وضرورة البحث عن آليات حماية خارجية لضمان البقاء، سواء عبر تدخلات عسكرية أو سياسية، بما يوازن بين الأمن والسيادة.
المطالب السياسية وقراءة استراتيجية
وفق المقابلة، يسعى الشيخ الهجري إلى خيار حكم ذاتي موسع، أو حتى استقلال كامل للمناطق الدرزية، مع الإشارة إلى إمكانية المرور بمرحلة انتقالية تحت إشراف جهة خارجية، حيث يرى في إسرائيل الجهة الأكثر قدرة على ضمان هذا الانتقال. تحليل هذا الموقف يظهر أن الطلبات ليست مجرد شعارات، بل رد فعل على تراكم سنوات من العزلة، العنف، والإقصاء السياسي والاجتماعي. أي خيار سياسي للدرزيين يرتكز على حماية مجتمعهم وضمان كرامته، لا على الطموحات التوسعية أو التوازنات الطائفية العابرة.
خيبة الأمل من وسائل الإعلام والدول العربية
يتضح من كلام الشيخ الهجري خيبة أمل كبيرة تجاه الدور العربي الرسمي ووسائل الإعلام المحسوبة على الحكومة السورية، التي وصفها بأنها اتخذت موقفًا داعمًا للسلطة الضالعة في الانتهاكات، بدلًا من الوقوف إلى جانب المجتمع الدرزي الضحية. هذا التصوير الإعلامي يعكس استراتيجيات أوسع لإضعاف المجتمع الدرزي سياسيًا وعزله عن المجتمع السوري الأوسع.
خيارات المستقبل: المواطنة مقابل الغلبة
تحليل تصريحات الشيخ الهجري يسمح باستخلاص بعض النقاط الاستراتيجية حول مستقبل الدروز:
– تقدم موقع الدروز يرتبط بتراجع سياسات التفتيت والانقسام الطائفي؛ أي محاولة لتفكيك النسيج الاجتماعي تمنح الدروز فرصة لإعادة تأكيد وجودهم السياسي والاجتماعي.
* مستقبلهم مرتبط بدولة المواطنة، أي بحماية الحقوق المتساوية لكل المواطنين، وليس بحسابات القوة أو الغلبة الطائفية العابرة.
* الخيارات الخارجية محدودة لكنها ضرورية لضمان الحماية، مع التركيز على تعزيز الحضور السياسي والاجتماعي داخل الدولة السورية بدلاً من الانعزال الكامل.
خلاصة
المقابلة تكشف عن مأساة الدروز السورية، وتوضح أن أي محاولة لتجاهل الواقع لن توقف سعي المجتمع الدرزي إلى حماية نفسه واستعادة دوره السياسي والاجتماعي. تصريحات الشيخ حكمت الهجري، عند تحليلها بموضوعية، تقدم رؤية استراتيجية حول أولويات الدروز: تعزيز الدولة المدنية القائمة على المواطنة، حماية الحقوق، واستكشاف خيارات خارجية محدودة لضمان البقاء في محيط إقليمي مضطرب.



