
لم يعد نجيب ميقاتي مجرّد رئيس حكومة سابق أُقصي بفعل تبدّل موازين القوى، بل بات، وفق المعطيات المتداولة، طرفًا يمتلك دليلًا سياسيًا موثّقًا على ما يمكن توصيفه كأول عملية تضليل نيابي منظّم أصابت رئاسة الحكومة في صميمها خلال حقبة الجمهورية الثانية.
رجل نام على أكثرية وازنة قاربت المئة صوت، ليستفيق على انقلاب صامت في اللحظة الأخيرة، عنوانه صوت واحد خرج من تحت الطاولة، فبدّل مسار التكليف، وقلب المشهد رأسًا على عقب. ما جرى لم يكن تحوّلًا سياسيًا طبيعيًا، بل تغييرًا قسريًا في الإرادة النيابية، تمّ خارج منطق الاقتراع وداخل منطق الخداع.
الدليل الذي يستند إليه ميقاتي لا يصدر عن خصومه التقليديين، بل عن نائب محسوب على محور «مملكة الخير»، مدعومًا بشهادات نواب من تكتل تبيّن لاحقًا أنه كان أسير قرار مفروض عليه. هنا، نحن أمام إرادة نيابية مشوبة بعيب الغلط والتدليس، نتجت عن تضليل سياسي لا عن قناعة، ما يخرج المسألة من إطار الخلاف المشروع إلى خانة التزوير السياسي المقنّع.
* إشكالية غير مسبوقة في الفقه الدستوري:
الإشكال يتجاوز السياسة إلى صلب الفقه الدستوري. فالدستور اللبناني، على مرونته، لم يواجه حالة مماثلة: تكليف لم يشُبه خلل إجرائي، بل عيب في الإرادة. أكثرية سقطت ليلًا، لا عبر صناديق ولا عبر استشارات جديدة، بل عبر تضليل سياسي منظّم.
من الناحية النظرية، يمكن القول إن التكليف يصبح فاقدًا لأساسه الدستوري إذا ثبت أن الإرادة النيابية بُنيت على التدليس. غير أن المعضلة الكبرى تكمن في أن الطعن بالتكليف غير منصوص عليه صراحة، بخلاف الطعن في الانتخابات النيابية، ما يضع القضية في منطقة رمادية بين النص والاجتهاد.
* من يملك الصلاحية؟
ينقسم الرأي الدستوري هنا إلى اتجاهين: الأول يرى أن أي خلل في التكليف لا يُعالج إلا بإعادة فتح باب الاستشارات النيابية الملزمة، وهي صلاحية حصرية لرئيس الجمهورية، وحده يملك تقدير نتائجها السياسية. الثاني يذهب إلى أن ثبوت عيب الإرادة يفتح الباب أمام اجتهاد دستوري استثنائي، يسمح بمساءلة شرعية التكليف نفسه.
لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن هذا النوع من الإشكالات لا يُحسم بالاجتهاد وحده.
* عقدة شرعية الأمر الواقع:
حتى لو افترضنا بطلان التكليف من حيث المبدأ، فإن صدور مراسيم تشكيل الحكومة أدخل البلاد في معادلة جديدة: حكومة قائمة وشرعية بحكم الأمر الواقع، مهما كان الجدل حول أصل التكليف.
هنا، يصبح الطعن القانوني شبه مستحيل، لأن رئيس الجمهورية يبقى المرجعية الدستورية الوحيدة القادرة على استنتاج النتائج السياسية للتكليف، لا على إلغائه دستوريا.
* الحدث السياسي قبل النص:
من الواضح؛ أن الأزمة غير قابلة للمعالجة القانونية الصرفة. نحن أمام مأزق سياسي بامتياز، لا يُحلّ بدعوى أو تفسير، بل بـحدث سياسي نوعي يعيد خلط الأوراق ويقلب الوضع الحكومي رأسًا على عقب.
الدستور اللبناني واسع وقابل للاجتهاد، لكن الاجتهاد يبقى عاجزًا متى غاب القرار السياسي القادر على تحويل الخلل إلى مسار تصحيحي.
في لبنان، المشكلة ليست في النص… بل في اللحظة السياسية التي تُعيد للنص معناه.



