تعقد نقابات المهن الحرة اجتماعاً موسّعاً في «بيت المحامي» اليوم، لدرس خطواتها المقبلة ضدّ مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، الذي أقرّته الحكومة. أفكار كثيرة تحملها النقابات إلى اجتماعها، لكنّ الثابت الوحيد أنه سيكون تأسيسياً لمسار مواجهة «القانون – الكارثة»، بحسب تعبير نقباء تلك المهن. فالمشروع يُحوِّل صناديق نقاباتٍ تحوي عشرات ملايين الدولارات، إلى مئة ألف دولار وسندات خزينة! مع العلم أن محتوى هذه الصناديق جُمِع «بالشبر والندر»، حتى يسند عاملي تلك المهن، خصوصاً في مرحلة شيخوختهم.
ويتوقّع نقيب المحامين، عماد مارتينوس، أن يكون أول القرارات تشكيل لجنة متابعة مهمتها الأساسية تحضير خطوات المواجهة، وإذ يلفت إلى أنه من المبكر الحديث عن هذه الخطوات قبل الاجتماع، غير أنه يشير إلى بعض ما يمكن التوافق عليه: كالاتصال بالمسؤولين في السلطة والقيام بجولات على الأحزاب، وصولاً إلى التشبيك مع النواب – المحامين تمهيداً للقيام بحراك في المجلس النيابي.
لم يُلحِق المشروع ضرراً بأموال صناديق نقابات المهن الحرة فقط، لكنّ أموال هؤلاء لا يمكن التعاطي معها وفق الصيغة المطروحة للحسابات الفردية. فهي صناديق يعود محتوى حساباتها لآلاف العاملين في تلك المهن، وتمّت تغذيتها من أموالهم على مرّ السنوات، لتأمين متطلبات حياة كريمة لهم. ولعلّ أهم هذه الصناديق، تلك المتعلقة بالتقاعد والخدمات الاجتماعية.
وفي هذا الصدد، يقول مارتينوس، إن هذه الأموال «تخصُّ أيتاماً وأرامل ومتقاعدين أمضوا سنوات عمرهم في الخدمة العامة، وسيخرجون بحسب القانون بلّوشة». و«هذه الأموال ليست ملكاً للدولة ولا للمصارف، بل هي حقوق خاصة ومُقدّسة تعود لأصحابها»، يؤكد نقيب الصيادلة، عبد الرحمن مرقباوي. مع العلم أن نقابة الصيادلة من أكثر المتضررين، لامتلاكها في المصارف قرابة 200 مليون دولار، منها قرابة 160 مليوناً بالدولار. ومن هذه الأموال، كانت النقابة تصرف على المنتسبين العاملين والمتقاعدين، وتحديداً التأمينات الصحية ومعاشات التقاعد. اليوم، يقول مرقباوي، إن النقابة مع هذا القانون لم تعد قادرة على «إعطاء المتقاعدين رواتبهم، ولا تأمين الصيادلة».
ودائع نقابات المهندسين 247 مليون دولار والصيادلة 200 مليون والأطباء 80 مليوناً
وكذلك حال نقابة الأطباء التي «فرملت» تعديل رواتب المتقاعدين التي أُقرَّت أخيراً، بحسب نقيب الأطباء، إلياس شلالا. فبعد امتصاص انهيار العملة في عام 2019، والذي خسر بنتيجته معظم الأطباء مدّخراتهم في المصارف، يواجه هؤلاء اليوم مشروعاً يحوّل أموال صناديقهم البالغة تقريباً 80 مليون دولار، إلى مئة ألف دولار وسندات خزينة. والأسوأ من ذلك أن هذه الأموال لن تعاد كلها، وإنما جزء ضئيل منها، على أن يذهب الجزء الأوفر نحو الشطب. وهذا، بحسب شلالا، «مرفوض كلياً لأنه مساس بالأمن الاجتماعي».
بهذا المعنى، ما أقرّته السلطة، بحسب نقباء المهن الحرة، ليس مشروعاً يقود نحو نهوض اقتصادي، وإنما مشروع لصندوق النقد الدولي يُشكِّل «اعتداء موصوفاً على أموال المودعين وأموال النقابات، وسابقة خطيرة تنطوي على سرقة علنية لحقوق المنتسبين، وسطوٍ على أموال المتقاعدين، وتمس بشكل مباشر مبدأ الاستقلال المالي الذي قامت عليه النقابات عبر عقود من النضال والعمل المؤسّساتي»، بحسب نقيب المهندسين، فادي حنا. مع العلم أن نقابة المهندسين تملك في المصارف 247 مليون دولار.
هكذا قرّرت الدولة أن تُصفِّي حقوق الناس، وأن تسدَّ فجوتها المالية عبر شطب الأموال الضائعة من جيوب المودعين، العاملين في المهن الحرة خصوصاً، إضافةً إلى أصحاب الرساميل الصغيرة، وهم الأكثرية. وهو مشروع يأتي، بحسب مارتينوس، بعد امتناع السلطة عن فرض «الكابيتال كونترول» وعدم تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على أسباب الأزمة، وقبل ذلك تخلّيها عن مسؤولياتها إلى الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وعدم تطبيق قوانين الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال والسرية المصرفية وغيرها. وما أفاض الكأس، بحسب مارتينوس، تهريب أصحاب الودائع الكبيرة أموالهم إلى الخارج، ليكون الحل بالنسبة إلى السلطة «فرض غرامة على هؤلاء بقيمة 30% وتشريع 70% من تلك الأموال»، و«تسكير الفجوة المالية من تعب الناس»!



