سياسة

لا بُشرى حكومية وتشكيلة قيد درس السير الذاتية

الحريري دخل متأبطاً لوائح أسماء و"بروفات" لأول مرة إلى قصر بعبدا والرئيس سيدرسها

إنها مرحلة ملء فراغ المشهد السياسي دون آمال موعودة في وقت تستعر حرب “المنقوشة والباغيت” في فم اللبنانيين. في لقاءات بعبدا “الحكومية” المنبعثة بعد موت سريري تتحكم أدبيات الأزمة وتداعياتها لسان حال القوى المحلية وحتى تلك الدولية سلّم الرئيس المكلّف تشكيلته إلى رئيس الجمهورية ومشى، فيما يتخبط الشعب اللبناني في متاهات الغلاء وسعر الدولار، وينتظر مصير الدعم ترشيداً أو إلغاءً فيما بات محتوماً أنه وسط نيران حياتية واقتصادية واجتماعية تلتهم لحم الناس الحي.

الكواليس الحكومية سمتها الملل والتكرار وخلفها يرتفع منسوب الشك بقرب حلول البشرى الوزارية دون أن ترتقي “الحلحلة” الشكلية بين بعبدا وبيت الوسط إلى مرحلة زفّ الحكومة للبنانيين. لا معطيات جدّية وواضحة تؤشر إلى أن ثمّة تفاهم على قرب الخروج من مراحل التفاهم الصعب غير أن الحريري دخل متأبطاً لوائح أسماء و”بروفات” وسير ذاتية لأول مرة إلى قصر بعبدا. وقدّم “تشكيلة كاملة من 18 وزير وفقاً على الاختصاص والكفاءة “خارج الإطار الحزبي لنعيد الثقة والأمل للبنانيين. والأجواء إيجابية وسنلتقي”، كما يقول الرئيس المكلّف. وتؤكد مصادر قريبة من الحريري أنه أعد تشكيلة وزارية “يُعتقد بأنها ستُحدث صدمة إيجابية”!. فيما أفاد حساب رئاسة الجمهورية على “تويتر” أن “الرئيس عون تسلّم من الحريري تشكيلة حكومية من ١٨ وزيراً وسلّمه طرحاً متكاملاً حول التشكيلة المقترحة”.

من وجهة نظر مراقبين أنه “لا يبدو أن تقديم تشكيلة سيحجب تموضع كل فريق خلف متراسه، لتحقيق القدر الأعلى من المكاسب والمعنويات السياسية على حلبة تأليف الحكومة”. لا توليفة حكومية خرج بها اللقاء الأربعاء بين الرئيسين عون والحريري بل مجرد أخذ ورد لا يزال يحتاج إلى بعض الوقت والجلسات كي يكتمل المشهد الحكومي الذي لم ترتسم معالمه النهائية بعدما طرأت تعديلات عدة على توزيع الحقائب والتسميات لم تثبّت بعد وتشير المصادر المطلعة لـ”أحوال” إلى أنّ “الثابت حتى اليوم لا يزال أنّ التشكيلة الحكومية ستتألف من 18 وزيراً يتم اختيارهم وفق معايير متجانسة، بينما كل المسائل الباقية لا تزال مفتوحة على النقاش، وبشكل أساس ما يتصل منها بمسألة الأسماء والترشيحات الوزارية” وأن ما قدّمه الحريري لا يأخذ بعين الاعتبار ما طرحه الأفرقاء الآخرين”.

الرئيس الحريري حمل معه إلى بعبداً جرعة تفاؤل غير مدروسة، بحسب المصادر وأن ما قدّمه للرئيس يحتاج للدرس والتعديل. وبانتظار تمحيص الرئيس بلائحة الأسماء عُلم أن وزارة الطاقة ستكون من نصيب جو صدي الإسم الذي تدعمه باريس، التي تضع عينها على اتفاقات الكهرباء والنفط لتشغيل الشركات الفرنسية، وسبق أن رفضه رئيس الجمهورية. وبالنسبة إلى عون الذي عبّر عن رغبته بالتعاون الإيجابي مع الحريري، فإنَّ الانتقال إلى مرحلة البت برأيه في التشكيلة الحكومية لا يمكن أن يحصل إلا بعد تقديم لائحة وفق “وحدة المعايير”، حتى يعطي رأيه مباشرة بالتأليف وفق ما ينص عليه الدستور. والرئيس الذي يُدرك أنّ الحكومة الجاري تشكليها هي الاخيرة في عهده، يرغب بحكومة محصنة، تُعوض على اللبنانيين إخفاقات السنوات الأربع الماضية ولا تنجرف إلى مزيد من الاستهدافات لإضعاف الرئيس وفريقه واستكمال “شيطنة” العهد.

بعض المعطيات المستجدة تشير إلى تعديلات بسيطة طرأت على عملية توزيع الحقائب، استرد بموجبها الحريري وزارة الداخلية، وأُعيدت وزارة الطاقة الى التيار الوطني الحر، وكان أبدى الرئيس المكلف قبولاً على استحياء بأن يسمي جبران باسيل وزير الطاقة، لكن هذا القبول مشروط بقبول الحريري شخصياً على التسمية تماماً كما فعل مع ثنائي أمل وحزب الله. فيما قد تؤول وزارة الخارجية إلى شخصية أرثوذكسية يرجح أن ترسو على سفير لبنان السابق في واشنطن عبد الله بو حبيب.

من الأمور غير المفهومة بالنسبة إلى المراقبين أن الحريري، الذي ينصاع للمبادرة الفرنسية وينحني للضغوط الأميركية، يُعلي سقف التحدي مع القوى المحلية ولا يتنازل عن معاييره الخاصة في التشكيل ويحكم الاقفال على مرسوم تكليفه في جيبه، بحسب مصادر مطلعة، ولو استمر تأليف الحكومة معلّقاً الى أبد الآبدين. فهو يُدرك تماماً أنّ اعتذاره عن ورقة التكليف، يعني دق مسمار في نعشه السياسي والإجهاز على البقية الباقية من حضوره الخافت أصلاً بعدما انفض عنه حلفائه ويتربّص به أبناء تياره وبيته العائلي، ولا يجد من راعي عربي ولا داعم له.

بالنسبة إلى حزب الله المتيقن من الضغط الأميركي الذي اتخذ وسائلاً وأساليباً متعددة لتقليص حضوره السياسي بخاصة داخل الحكومة المُرتقبة، واستبعاد حلفائه عن المشهد السياسي لا سيّما منهم رئيس الجمهورية ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، فهو حاسم حيال الأزمة الحكومية بأن لا مشكلة مع الحريري. ولا يبرئ الدور الأميركي في التأزيم عبر السفارة الأميركية المحرّضة على “عناد” الحريري في عدم إشراك عون والتيار في تسمية الوزراء المسيحيين.

في مستجدات المشهد السياسي التي أضفت مزيداً من الإثارة على أحوال أهل الحكم، كان لافتاً الهجوم اللاذع واللاسع من الـ NBN على رئيس الجمهورية التي تساءلت حول “من عطّل التشكيلات القضائية ومن عرقل تشكيل الحكومة؟”، لتثير اشتباكاً محموماً بين بعبدا وعين التينة على خلفية الأحكام والمحاكمات التي تجري في عدد من الإدارات والوزارات ضمن حملة مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع. وقد اختارت القناة أن تُعلن رئيس الجمهورية “معرقلاً” لتشكيل الحكومة وأن “الحريري قدّم التسهيلات الممكنة لتبصر الحكومة العتيدة النور”.

الصراع المكتوم بين بعبدا وعين التينة ليس مستغرباً في غياب الكيمياء بين الرجلين منذ مواجهتهما الأولى على الساحة السياسية ورئيس المجلس النيابي، الذي ينتمي إلى معسكر “كارهي” “سيّد العهد” إلى جانب حليفيه المدللين، سعد الحريري ووليد جنبلاط، يجد في ملفات الفساد المفتوحة من قبل دوائر الرئيس استهدافاً محدداً لفريقه. إلا أنّ نيران هذا الخلاف لن تطال ملف التشكيلة الحكومية بحسب مقرّبين من عين التينة وأن “الأخ الأكبر” لا يزال متمسكاً مع “الأخ الأصغر” أي حزب الله لتسهيل مهمة الرئيس المكلف وانتظار ما هو يقيناً من بعبدا.

الصراعات السياسية الداخلية التي تتحكّم في الوضع اللبناني ستتراجع على وقع المتغيرات الأميركية والأوروبية التي يتمسّك البعض بتأثيراتها نتيجة ارتباط قوى محلية بها، بحسب مصادر مطلعة وحتى ذلك الوقت ستبقى التكهنات والتسريبات جرعات اللهو السياسي اليومي بسبب تركيبة النظام الطائفي، والكيديات السياسية وفقدان الثقة، وغياب الحسّ بالمسؤولية.

ومع انتظار وصول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى لبنان في فترة الأعياد الأسبوع المقبل في 21 من الشهر الحالي، تتمنى المصادر أن تقيم الحكومة الجديدة استقبالاً للزائر الفرنسي وليس مسودة لائحة خاضعة للمد والجزر وقبل كل ذلك ترقب رد رئيس الجمهورية.

 

رانيا برو

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. عملت في مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى