منوعات

بين فواتير ضائعة وجباية ضعيفة أزمة “كهرباء لبنان” 2020 تساوي نصف مليار دولار

لا تتوقّف المشاكل في فواتير كهرباء لبنان وجبايتها عند حدود التأخّر بإصدارها وتحصيلها، فهناك مشاكل عديدة تؤدّي إلى عدم استفادة خزينة مؤسّسة كهرباء لبنان من كامل مستحقاتها، وهذه المشاكل تُضاف إلى الكمّ الهائل من الأزمات التي تضرب هذا القطاع، ليس آخرها انفجار مرفأ بيروت، وفقدان قيمة الأموال بالليرة، وتضخم قيمة العقود التي عقدتها المؤسسة مع الشركات بالعملة الأجنبية.

“أموال” الجباية خدمة لبعض الشركات؟

لا تنحصر خسائر “كهرباء لبنان” بالفواتير التي لم تُحصّل، بل وصلت أيضاً إلى أموال الفواتير المحصّلة، والحديث هنا عن الفترة الزمنية التي بدأت منذ العام 2012 إلى العام 2018، لأن بعدها حصلت معمعة التمديد، ومن ثم أزمة البلد والمصارف، إذ تكشف مصادر مطّلعة أن بعض الشركات لم تلتزم بنقل أموال الفواتير إلى حساب مؤسسة كهرباء ضمن المهل المتفق عليها، ما جعلها تستفيد من فوائد هذه الأموال في المصارف قبل نقلها إلى حساب “كهرباء لبنان”، والحديث هنا عن المرحلة التي كانت فيها الفوائد عالية جدا تصل أحياناً إلى 13 بالمئة، الأمر الذي أتاح للشركات تحقيق أرباح خيالية.

بالمقابل تنفي مصادر شركات الجباية هذا الأمر، مشددة عبر “أحوال” على أن الأموال تُنقل في وقتها عندما يتم تحصيل كامل “الإصدار”، وأن الشركات تحصل على “اجرها” بحسب قيمة الإصدار، مشددة على أن هناك بعض التأخير الذي يحصل اليوم، ولكن سببه إجراءات المصارف.

فواتير ضائعة!

في العام 2011 في دائرة بيروت، تبيّن اختفاء 1800 فاتورة قيمتها 700 مليون ليرة، وفي طرابلس بلغت يومها قيمة الفواتير المفقودة 450 مليون ليرة، وتبيّن أن بعض هذه الفواتير يُخفى بقصد تحميل أصحابها غرامات، يُصار بعدها إلى التفاوض معهم بشأنها مقابل الحصول على المال.

هذا العام اختلف الأمر، إذ تكشف المصادر أنه بعد انفجار بيروت الذي تسبّب بدمار مؤسسة كهرباء لبنان، سرى حديث عن ضياع كمية كبيرة من الفواتير، مشيرة إلى أن أحداً لا يتجرأ على توقيع ملف ضياعها، لأن مجرّد التوقيع يحمّل الموقّع مسؤولية أي فاتورة قد تظهر بالمستقبل بعد أن سُجّلت ضائعة، لذلك من غير المعروف مصير هذه الفواتير حتى اليوم، مع العلم أنها بحال ضاعت فعلا فيجب أن تكون موجودة ضمن سيرفيرات الشركة التي صدّرتها.

 

المؤسسة تحتاج إلى ملايين والمركزي لا يردّ!

يدعم مصرف لبنان دولار الفيول أويل فقط، بينما كل الأمور المتبقية يتم دفعها بتمويل مؤسسة كهرباء لبنان، وعندما كانت قيمة الدولار 1515 ليرة لم تكن هناك مشكلة، فكانت المؤسسة تحصل على أموال الفواتير وتستعملها، إنما المشكلة بدأت العام الماضي مع تبدّل سعر صرف الدولار، مما جعل ليرات المؤسسة بلا قيمة، فبدأت تتراكم الدفعات المفروضة على المؤسسة تبعاً للعقود، الموقّعة بالدولار.

قبل انفجار آب، أرسلت مؤسسة كهرباء لبنان كتاباً، حصل “أحوال” على أبرز ما ورد فيه، إلى المصرف المركزي تطالب فيه بتحويل أموالها إلى الدولار وفق السعر الرسمي 1515 لأجل التالي: 40 مليون دولار لعقد تشغيل معملي الزهراني ودير عمار مع شركة primesouth، 90 مليون دولار لعقد استجرار الطاقة من البواخر مع شركة karpowership، و16 مليون دولار لعقد تشغيل وصيانة معملي المحركات العكسية في الذوق والجية مع تحالف شركات MEP/OEG/ARKAY، 81 مليون دولار لعقد مشروع مقدمي الخدمات بما فيه تأمين العدادات الذكية، 5.1 مليون دولار لعقد الإشراف على المشروع، و2.3 مليون دولار لعقد الإستشاري على إدارة المشروع، ما يعني أن المبلغ المطلوب لمشروع مقدمي الخدمات هو 88.4 مليون دولار.

كذلك يطلب الكتاب توفير بعض الأموال لعدد من المشاريع، بحيث يكون مجموع الأموال المطلوب تحويلها 312.9 مليون دولار. ويشير الكتاب إلى أن هذه المبالغ هي لتأمين العملة الأجنبية بالدولار لتسديد جزء من العقود، وتأمين المعدات والتجهيزات المتوفرة لدى الشركات الأجنبية، وغير المتوفرة في السوق المحلي، واجرة الخبراء الأجانب الضرورية للإشراف على أعمال التركيب أو الصيانة أو التأهيل او الإشراف، لافتاً إلى أن الجزء الآخر من هذه العقود وبالرغم من أنها موقعة بالدولار إلا أنه سيتم دفعها بالليرة اللبنانية.

إن هذه الأموال لم تعد تكفي المؤسسة لدفع ما عليها، والمصرف المركزي والحكومة لم يتحركان في سبيل تأمين الأموال، ما يخلق القلق من القادم في قطاع الكهرباء.

الشركات تُريد “فريش” دولار

لم تتغيّر الخدمة التي تقدّمها الشركات العاملة مع مؤسسة كهرباء لبنان بعد تغيّر سعر الصرف، تقول المصادر، مشيرة إلى أن الشركات بالمقابل تريد أن تقبض بالدولار، لان عقودهم أجريت بالدولار، مع العلم أن بعض مطالبهم بشأن قطع الغيار والتجهيزات التي يشترونها بالدولار، هي مطالب مفهومة، ولكن بالمقابل لا يمكن مثلاً أن الخدمات الإدارية والجباية تبقى بالدولار.

وتضيف المصادر: “لا يُعقل مثلاً أن تقدّم إحدى الشركات فواتير بقيمة 16 مليون دولار كل 3 أشهر،  وتنتظر دفعها بالدولار، لأن هذا الأمر قد يعني أن كل أموال المؤسسة لا تكفي لدفع قيمة عقد شركة واحدة، مع العلم أن هذه الشركات لم تتقيد بالمشروع الأساسي التي اتت لأجله”.

وتلفت المصادر النظر إلى أنه يُفترض بالشركات تقديم فواتير مفصّلة، لأن كلفة التشغيل بالليرة، وبعضهم لا يدفع إيجارات منذ العام 2012 إذ يعمل من مؤسسة الكهرباء، ولا يدفع كهرباء ولا هاتف ولا مياه، ورغم ذلك هم لم يتقدّموا لإصلاح ما تهدّم في انفجار بيروت، وتركوا المؤسسة لمصيرها رغم أنها “الصحن” الذي يأكلون منه بلا رقيب.

 

محمد علوش

 

محمد علوش

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق وشهادة الماستر في التخطيط والإدارة العامة من الجامعة اللبنانية. بدأ عمله الصحافي عام 2011، وتخصص في كتابة المقالات السياسية المتعلقة بالشؤون اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى