منوعات

الدولة العميقة تدفن التدقيق الجنائي في مهده

تأمّل اللبنانيون خيراً عند إعلان المسؤولين عن توقيع عقد التدقيق الجنائي مع شركة عالمية مختصة “Alvarez & Marsal”، ليس من أجل اكتشاف عمليات الإختلاس والتزوير ونهب المال العام فحسب، بل لاسترداد الأموال المنهوبة والمبيّضة ومحاسبة المجرمين والمفسدين، بالاعتماد على أدلة حسابية مادية قطعية. وهذه كانت أهم مطالب انتفاضة 17 تشرين لأنّها الأساس في زعزعة أركان منظومة الفساد واسترداد الأموال، لتكون مصدراً مهماً في تمويل المالية العامة وتالياً معالجة الأزمات المستشرية، ثم الانتقال من مفهوم الكيان والكانتونات إلى بناء الدولة.

تفخيخ  وتشويش العقد الجنائي

عندما شعرت منظومة الفساد بأنّ الموس قد وصل إلى رقبتها، بدأت بتفخيخ العقد الجنائي ليلد طرحاً لا روح فيه ولا حياة. وقد ابتدأ التشويش على هذه العملية منذ البداية عبر رفض التوقيع مع شركة “كرول” لحجج واعتبارات خارج النطاق المهني. وحدثت المماطلة من خلال التأخير في توقيع العقد مع شركة ألفاريز قدر المستطاع، مع أنّ مرسوم الموافقة على توقيع العقد صدر في بداية الأسبوع الرابع من تموز من مجلس الوزراء، ولم يتم توقيع العقد حتى بداية أيلول.

   تفاصيل العقد لتتضح لنا الصورة

  • أولاً، إنّ الجهة المخوّلة تنفيذ مندرجات العقد هي وزارة المال ممثلة للجمهورية اللبنانية، مع أنّ المعنيّ الأول بهذا الموضوع هو مصرف لبنان، مما قد يفتح المجال للشك بالقدرة على الوصول إلى المعلومات المطلوبة والتي يجب أن يقدّمها مصرف لبنان، وهذه من أهم أفخاخ العقد؛

وهذا ما حدث بالممارسة العملية، حيث امتنع  مصرف لبنان عن تقديم المعلومات متذرعاً بحجج قانونية مرتبطة بالسرية المصرفية وبقانون النقد والتسليف، بل وبمندرجات العقد نفسه حيث ورد في العقد حرفياً: “عند تقديم الخدمات المشار إليها في هذه الاتفاقية، يتعيّن على العميل وفق القانون اللبناني_مع بذل سبل العناية الواجبة – تزويد شركة ألفاريز آند مارسال بكافة المعلومات المتاحة له فيما يتعلق بأعمال مصرف لبنان وشؤونه ذات الصلة بشركة ألفاريز آند مارسال من أجل تقديم الخدمات بالشكل المناسب و على النحو المنصوص عليه في هذه الاتفاقية…..”.

المعلومات محصورة بوزير المال

لنستنتج أنّ عملية تزويد المعلومات هي حكراً وحصراً بيد العميل أي وزير المال، وبالتالي سلطة الوزير وصلاحيته في تقديم ما يريده هو من معلومات وقدرته على حجب أي معلومات يريدها؛ فإذا قدّمت وزارة الطاقة أو وزارة الأشغال العامة مثلاً معلومات عن إهدار وأموال منهوبة يستطيع وزير المال وضعها في الجارور، لما يمتلك من سلطة في ذلك بحسب العقد. وكان الأولى أن يكون هناك طرف ثانٍ يمثّل الدولة اللبنانية كوزارة العدل مثلاً منعاً لاحتكار المعلومات من طرف واحد، ولأنّ طبيعة التدقيق الجنائية تتطلّب تدخلاً قضائياً ونيابة عامة.

  • والأهم من ذلك كما ورد أعلاه، عبارة “وفق القانون اللبناني” بحيث تمكّن هذه العبارة مصرف لبنان أو أي جهة رسمية من الامتناع عن تقديم المعلومات المطلوبة للتدقيق بحجة مخالفة القانون اللبناني. ومن ضمن الأفخاخ في هذا العقد هي المدة الزمنية لصلاحية العقد وتقديم التقرير النهائي وهي 10 أسابيع، إذ من المؤكد أنّها مدة غير كافية على الإطلاق للوصول إلى نتائج مرجوة.

ريبة وشك باسثتناء المنتدى الدولي

  • استثناء لمجموعة “Egmont” من عضوية اللجنة الرسمية اللبنانية للإشراف على مدى التزام شركة “ألفاريز” بالقواعد الإلزامية التي تنظّم عملها، كما أوصت بذلك هيئة التشريع والاستشارات ما يبعث على الريبة والشك. فهي منتدى دولي لوحدات المعلومات المالية، تأسست في عام 1995 وترمي إلى تعزيز أنشطة أعضائها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإنّ جود هذه المجموعة يعطي بحد ذاته مصداقية في ملاحقة الأموال التي تم تبييضها لما لها من خبرة وقدرات عالمية في هذا المجال.

 

  • مع أنّ العقد تضمن التالي: ” يتطلّب من مصرف لبنان الرد في غضون أسبوعين من تاريخ استلام طلب الحصول على المعلومات”، لكن لم يستجب المصرف لهذا الأمر مع المماطلة لإفراغ التدقيق من محتواه.

صفقات وسمسرات

  • وبالنظر في المسائل المالية للعقد، فقد نصّ على أن تبلغ أتعاب إعداد تقرير التدقيق الجنائي المبدئي 2.1 مليون دولار وهي تشمل “تكاليف إنشاء البنية التحتية للبيانات في لبنان لمرة واحدة ورسوم الحفظ لمدة 10 أسابيع”؛ يُضاف إليها 220 ألف دولار كتعويض للشركة عن مصاريفها الشخصية المعقولة والمباشرة المتكبدة فيما يتعلق بهذه المهمة، وبذلك تبلغ الكلفة الإجمالية 2 مليون و320 ألف دولار.

وقد يُشتم من ذلك رائحة صفقات وسمسرات لعقد مدته الزمنية 10 أسابيع فقط، بل أكثر من ذلك فقد استحق للشركة بحسب العقد حتى الآن 70% من قيمة العقد أي 1.624 مليون دولار بحيث تستحق 40% من الأتعاب عند التوقيع على شروط التكليف وتكون مستحقة السداد قبل بدء الخدمات، و30% من الأتعاب عند قرار البدء وتُسدّد مباشرة بعد نهاية الأسبوع الخامس بعد قرار البدء والذي تخطيناه، خاصة إذا ثبت الكلام عن قيام الشركة نفسها بعملية تدقيق جنائي لبنك أفريقي لأحد النافذين في الدولة اللبنانية هو أحد أركان الدولة العميقة.

 

  • ومن التساؤلات حول مندرجات العقد هو التدقيق في حسابات مصرف لبنان للخمس سنوات الماضية فقط. وعلى الرغم من أنّ التدقيق الجنائي يشمل “فحص معاملات الهندسة المالية التي أُجريت في السنوات الخمس الماضية وإجراء تحليل مفصل لتوزيع الحركة في ودائع المصارف التجارية بمرور الوقت على مستوى العميل والمجموعة، خاصة خلال فترة عمليات الهندسة المالية”، إلا أنّ هذا الأمر لم يتم حدوثه حتى الآن لأنّه يطال مافيا المصارف ويكشف تواطؤها مع حاكم مصرف لبنان ونهبها للمال العام.

بناءً على ما تقدم، يظهر لنا أنّ الدولة العميقة ومنظومة الفساد في لبنان ما زالت هي المهيمنة على القرارات جميعها بما فيها المصيرية. وأخشى ما أخشاه أنّه من خلال الحكومة العتيدة وطريقة تشكيلها أنّها تسعى إلى تجديد وإنتاج نفسها من جديد تحت عناوين الإصلاحات ولجم الأزمة وضبط الفوضى. والخطورة في الأمر، أنّها عند تحقيق بعض الإنجازات ستقدم نفسها للرأي العام على أنّها المخلّص والمنقذ مما يتيح لها وأد كل ما يمت إلى زعزعة أركانها بصلة؛ وقد يصل إلى حد إزاحته من أمامها بشتى الوسائل والطرق.

د.أيمن عمر

 

 

أيمن عمر

كاتب وباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية محاضر في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية له العديد من الأبحاث والمؤلفا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى