سياسة

مشروع قانون لإزالة ذرائع عرقلة التدقيق الجنائي.. هل يمرّ؟

عدوان لـ"أحوال": يجب فضح المستور ومعرفة أين ذهبت أموال اللّبنانيين للانتقال إلى المرحلة الإصلاحية

طارت “الفاريز أند مارسال” من لبنان وطار معها التدقيق الجنائي وحوالي 700 ألف دولار هدر، وإن لم تدفع الدولة حتى الآن هذا المبلغ إلا أنّها ملزمة بدفعه للشركة مقابل العمل الذي بالكاد أنجزته! ونجح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في التصدّي للتدقيق ومعه الطبقة السياسية المتحكّمة بمفاصل الدولة اللّبنانية والتي لم تأخذ دروسًا من كلّ الصعاب والأزمات التي مرّت بها البلاد ولا تزال، وهي لم تتقدّم قيد أنملة نحو تغيير بنيوي وسلوكي في إدارة البلاد ما دامت ستحتفظ بمواقعها في المشهد السياسي اللّبناني بعد سقوط كلّ محاولات التغيير. وفي حين عوّل اللّبنانيون على التدقيق الجنائي الذي بدأته شركة “ألفاريز” لاستكشاف بواطن الخلل ووضع الأصبع على الجراح اللّبنانية وتشخيص الأورام المتضخمة تمهيدًا للمحاسبة واسترداد ما نُهب من أموالهم ومدخراتهم، وقفت الإرادة السياسية وفي واجهتها حاكم مصرف لبنان متكئين على حجّة القوانين سدًّا أمام التدقيق الجنائي الدّولي الذي اصطدم بذرائع قانونية تتستّر بقانوني السرّية المصرفية والنقد والتسليف.

“سقوط التدقيق المالي الجنائي هو سقوط للمبادرة الفرنسية” بحسب مصادر متابعة، حيث أنّ التحقيق كان من أولويات المبادرة. وترى المصادر لـ”أحوال” أنّه و”بطبيعة الحال ستزداد الأوضاع سوءًا طالما أن عصابة تتحكّم بمصائر اللّبنانيين، ولا حل سوى بإسقاطها بكلّ الطرق الممكنة”.

لكن خروج “الفاريز” لا يجب أن يكون نهاية الطريق بحسب المصدر بل يجب أن تصرّ الدّولة على إجراء التدقيق وأن يستمر التحقيق في مصير أموال اللّبنانيين مع شركة أخرى، بالتزامن مع تعديل القوانين التي يتذرّع بها المعطلين.

رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية جورج عدوان خطا خطوة تقدّمية باتجاه تعبيد الطريق أمام التدقيق الجنائي ورفع حجر العثرة أمام طريق المضي في معرفة خريطة المسارب التي سلكتها أموال اللّبنانيين وثرواتهم وأموال الدّولة اللّبنانية. وتقدّم عدوان بمشروع اقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي إلى تعليق العمل بأحكام قانون السريّة المصرفيّة الصادر بتاريخ 3 أيلول 1956 وذلك لمدّة سنة.

إنّها ساعة الحقيقة إذن، أمام المجلس النيابي في جلسته المقبلة لقطع آخر أعذار معرقلي التدقيق الجنائي أمام معرفة مصير أموال اللّبنانيين سواء مع الشركة المنسحبة أو غيرها. “من دون التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وفي كلّ مؤسسات الدّولة لا يمكننا الانتقال إلى المرحلة الإصلاحية أو مرحلة البناء، ومن دون التدقيق، على اللّبنانيين أن ينسوا ودائعهم”، يقول عدوان في دردشة مع “أحوال”ـ ويشدّد على فكرة أنّ القانون “يفضح المستور” وهو الخطوة التنفيذية والعملية للانطلاق بالمرحلة المقبلة “من دون التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وفي كلّ مؤسسات الدّولة لا يمكننا الانتقال إلى المرحلة الإصلاحية أو مرحلة البناء ولا يمكن لأحد الذهاب إلى المستقبل من دون معرفة ما حصل في الماضي”.

بدا مفاجئًا للبعض ما قاله عدوان فيما عدّه مراقبون “أوّل هجوم قواتي على حاكم مصرف لبنان”. لكن عدوان يقول إنّ في لبنان تتم شخصنة كلّ شيء، “بالنسبة لي أنا أؤمن بالمؤسسات وطريقة عملها وليس لديّ نزعة لاستعداء أشخاص. نحن نحاسب على تصرف خاطئ ونتائجه، هل يُعقل أن نكون وصلنا إلى هذه الحال من فقدان الأموال وتبخر ودائع الناس وانهيار المالية العامة دون أن نسأل ما الذي حصل وأين تبخّرت الأموال؟ هذا عملنا البديهي السؤال والمحاسبة وحين ظهرت العرقلة القانونية وهي برأيي غير لازمة ولكن لأنهم لا يريدون التدقيق الجنائي تقدّمنا بمشروع القانون لنزيل أيّ عذر لعدم اكتمال التدقيق”.

يتضمّن القانون مادة وحيدة تنصّ على التالي: “يعلّق العمل بقانون سريّة المصارف الصادر بتاريخ 3\9\1956 وجميع المواد التي تشير إليه لمدّة سنة تسري من تاريخ نفاذ هذا القانون في كلّ ما يتعلّق بعمليات التدقيق المالي و\أو التحقيق الجنائي التي تقرّرها الحكومة على حسابات المصرف المركزي أيًّا تكن طبيعة هذه الحسابات، ولغايات هذا التدقيق، ولمصلحة القائمين عليه حصرًا، وسواء تمّت بواسطة أشخاص من الحق العام أو من الحق الخاص محليّة أو دوليّة. على أن يشمل مفعول التعليق كل الحسابات أيًا تكن التي تدخل في عمليات التدقيق”. وتبقى أحكام قانون سريّة المصارف سارية في كل ما عدا ذلك.

تشريعيًا يبدو القانون المقدّم نافذة لتخطّي ما هدّد استكمال مسار التدقيق من عقبات تمثّلت بإحجام مصرف لبنان عن تزويد شركة “ألفاريز” بالمعلومات المتعلّقة بالوقائع والأرقام التي توضح آلية الهندسات والتحاويل المالية التي يجهلها الجميع وأدّى إلى اعتذار الشركة عن إتمام مهمتها! وخروج “ألفاريز” من لبنان بهذه الصورة يضيف إلى المشهد اللّبناني قتامةً داخليًا وخارجيًا. لكن عمليًا، هل يمكن أن يُبصر القانون المقترح من تكتل “الجمهورية القوية” النور بين تجاذبات الكتل السياسية فيقرّه المجلس النيابي ليستكمل التدقيق الجنائي مع مؤسسات أخرى ويخرج بنتيجة تُثلج قلوب اللّبنانيين؟. يجيب نائب الشوف على هذا التساؤل بالقول “التواصل مع الجميع يتمّ بشكل دائم في مجلس النواب ومن خلال إدارتي للجنة الإدارة والعدل، وطبعًا مشروع القانون كان من ضمن المشاورات، وقد لقيت الفكرة ترحيب واستحسان وحماسة من زملاء في مختلف الكتل النيابيّة، لكن مسألة تمرير المشروع أو عدم تمريره يضع الجميع أمام مسؤولياته الوطنية وأمّا الناس الذين انتخبوهم وعليهم أن يجيبوا أُناسهم عن ودائعهم وأموال الدولة، وهذا ليس أمرًا ثانويًا بل أساسيًا يطال حياة الناس”.

وفي حين أنّ جميع الكتل السياسية ارتضت تبنّي المبادرة الفرنسيّة بما فيها من شروط وبنود لا سيّما بندها الثاني الذي يشدّد على أهميّة إجراء التدقيق الجنائي كمقدمة لأيّ عملية إصلاحية، يخشى كثيرون من وصول التدقيق إلى أفقٍ مسدودٍ وسبق أن قال بيار دوكان مبعوث الرئيس الفرنسي لتنسيق الدّعم الدّولي للبنان إنّ “عدم إجراء التدقيق الجنائي يعني اختفاء لبنان”.  وفي هذا المجال يقول عدوان “على النواب أن يتحملوا مسؤولياتهم وعلى جميع من وافقوا على المبادرة الفرنسيّة وتبنّوها وأثنوا عليها أن يقدموا على خطوات عمليّة تُثبت ذلك وليبدأوا بإقرار القانون لإنهاء التدقيق الجنائي”. وتمنّى رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية أن يمر القانون في الهيئة العامة للمجلس النيابي رغم تأكيده أنّ “التدقيق الجنائي بالقرار الذي أخذته الحكومة لا يوجد فيه أيّ لبس قانوني ولا يحتاج لتعديل القانون ولا لقوانين جديدة”، معتبرًا أنّه “من دون التدقيق الجنائي في مصرف لبنان وفي كلّ مؤسسات الدولة لا يمكننا الانتقال إلى المرحلة الاصلاحية، وأي خطّة مالية اقتصادية، ولا مساعدات من الدول الصديقة، التي من دونها لا يمكن أن ننهض بالوضع الاقتصادي”.

إذن بات أمام المجلس النيابي مفتاحًا قانونيًا شرعيًا لتسهيل سير التدقيق الجنائي نحو وجهته الأخيرة التي تتكشّف فيها مصائر مدخرات اللّبنانيين وودائعهم وأموال الدولة لاستعادتها والانتقال إلى وضع الآليات الملائمة للبدء بالمشاريع الإصلاحية التي تُعيد تدفق الأموال إلى لبنان لوقف الانزلاق السريع نحو الانهيار الشامل، فهل ينجح ممثلو الشعب بذلك؟ هذا ما يأمله عدوان قائلًا “نتمنى إقرار القانون في مجلس النواب وإلّا الشعب سيُحاسب ممثليه وبالنسبة لنا نقوم بواجبنا وإذا لم ننجح بهذه الخطوة سنلجأ إلى خطوات أخرى جديدة حتى نصل إلى التدقيق والمحاسبة واستعادة حقوق الناس”.

في القصر الجمهوري ثمّة إصرار على إجراء التدقيق الجنائي مهما اشتدّت المناكفات وطالت المناورات فهل يُقدّم رئيس الجمهورية على خطوة ما لإنقاذ ماء وجه لبنان المالي؟ وما هي التدابير الملائمة التي تقتضيها مصلحة لبنان؟ تشير مصادر مطّلعة أنّ الرئيس ميشال عون ما زال متمسكًا بكشف الحقائق الماليّة لأنّه لا خلاص من الأزمة الحاليّة سوى بتوضيح أين اختفت أموال الناس واستعادة الأموال المنهوبة، وهو سيدرس الخطوات اللّاحقة لاستدراك هذه “الفضيحة”.

 

رانيا برو

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية. عملت في عدة مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: