أحوال الموحدين

حتى الموت لا يعيد مهجّري السويداء إلى قراهم

المصدر: السويداء برس

لم يكن الرجل الذي فقد والده من قرى الريف الغربي للسويداء يتخيل أن عليه، بعد وفاته، أن يبحث له عن مكان للدفن بعيداً عن قريته. لكن التهجير الذي أبعد العائلة عن منزلها، امتد أيضاً إلى لحظة الوداع الأخيرة.

اختار الابن أن يدفن والده في قرية مجاورة لقريته المحتلة، داخل تابوت، على أمل أن يتمكن، عندما تسمح الظروف بعودة الأهالي إلى قراهم، من نقل رفاته إلى مدافن العائلة في قريته التي لا يزال الوصول إليها متعذراً، نتيجة استمرار سيطرة قوات الأمن العام عليها.

يقول محدثنا الذي فضل عدم ذكر اسمه، إن والده بقي منذ التهجير في تموز 2025، يمضي أوقات طويلة على شرفة الشقة التي استأجرتها العائلة في الجهة الغربية من مدينة السويداء، يراقب قريته المحتلة من بعيد، ولا يذكر في أحاديثه إلا البيت، والأرض. إلى أن فارق الحياة، من دون أن يتحقق حلمه الأخير بأن يُدفن في مسقط رأسه.

في حكاية أخرى، وجد أبٌ من الريف الشمالي نفسه أمام مأساة مختلفة، حين توفي طفله بعيداً عن قريته. لم يكن للعائلة مدفن في مكان إقامتها الجديد، ولم يكن من السهل العثور على مكان يليق بدفن طفلها.

لكن عائلات عدة في السويداء بادرت إلى عرض دفنه في مقابرها، قبل أن تستقر الأسرة على دفنه في أحد المدافن التابعة لعائلة مقربة منها.

في السويداء، تمتلك العائلات قطعاً من الأراضي تخصصها لدفن موتاها، وتقيم فيها مدافن عائلية تتوارث استخدامها جيلاً بعد آخر. لذلك، فإن دفن شخص في مقبرة عائلة أخرى يحمل دلالة اجتماعية تتصل بروابط القربى والمودة والتضامن بين العائلات.

ومع استمرار التهجير، باتت هذه الروابط تتجاوز حدود العائلات نفسها. بعض العائلات التي وجدت نفسها خارج قراها، لم تعد تملك إمكانية دفن موتاها في مدافنها الأصلية، ما دفع عائلات أخرى إلى فتح مقابرها أمامها، في مشهد يعكس جانباً من التضامن الاجتماعي الذي يحاول تخفيف وطأة النزوح.

🔸 *من البيوت إلى المدافن*

منذ مجازر تموز/يوليو 2025، وجد أكثر من 150 ألف شخص أنفسهم خارج منازلهم. ولا يزال سكان نحو 30 قرية في الريفين الغربي والشمالي غير قادرين على العودة إلى منازلهم، في ظل استمرار سيطرة قوات الأمن العام على تلك المناطق.

وبعد نحو عام ونصف على المجازر، لم يعد التهجير مقتصراً على فقدان المنازل ومصادر الرزق، أو صعوبة الوصول إلى الأراضي والممتلكات، إذ امتد إلى تفاصيل الحياة الأكثر خصوصية، ومنها الموت والدفن.

عندما تظهر نعوة لشخص من أبناء القرى المحتلة، لا تقف المأساة عند خبر الوفاة وحده. ثمة سؤال آخر يرافقها: أين سيدفن؟ وهل سيتمكن أهله من مواراته الثرى في قريته، إلى جانب أفراد عائلته الذين سبقوه؟

بالنسبة إلى كثيرين، تمثل مدافن العائلة امتداداً للانتماء إلى المكان، تماماً كما تمثله المنازل والأراضي. فهي جزء من ذاكرة العائلة وتاريخها، ومكان يجمع أفرادها حتى بعد رحيلهم. وعندما يُحرم الناي من الوصول إليها، يصبح التهجير حاضراً حتى في أكثر لحظات حياتهم قسوة.

وفي مواجهة هذه الظروف، ظهرت مبادرات اجتماعية لتوفير أماكن دفن بديلة. إلى جانب العائلات التي فتحت مدافنها أمام عائلات أخرى تربطها بها علاقات وثيقة، برزت أيضاً مساعٍ لإنشاء مقابر جديدة تخصص لعائلات من القرى التي طال تهجير سكانها، في محاولة لتأمين احتياجاتهم مع استمرار تعذر العودة.

🔸 *حق العودة لا يسقط بطول التهجير*

لكن هذه الحلول، على أهميتها الإنسانية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن عودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم. المقابر البديلة، كما أماكن الإيواء والمنازل المستأجرة، تبقى حلولاً فرضتها ظروف التهجير، ولا تنهي حق السكان في العودة إلى أماكن إقامتهم الأصلية.

ويكفل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان حماية المدنيين وممتلكاتهم، ويحظر التهجير القسري للسكان، كما يقرّ حق النازحين داخلياً في العودة الطوعية والآمنة والكريمة إلى منازلهم وأماكن إقامتهم المعتادة، أو إعادة التوطين في مكان آخر باختيارهم.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الأحياء فرصة العودة إلى بيوتهم، يضطر ذوو المتوفين إلى البحث عن مكان لدفن أحبائهم بعيداً عن مدافن عائلاتهم، معلقين آمالهم على يوم يستطيعون فيه إعادتهم إلى قراهم، عندما ينتهي وجود القوات التي قتلت سكان القرى وأحرقتها ونهبت بيوتها ثم احتلتها وأقامت في بعضها نقاط عسكرية.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى