باحثة ألمانية تؤكد على سياسة إقصاء الأقليات في سوريا وهجرة الكفاءات

تتداعى مؤشرات عدم الاستقرار السكاني والاجتماعي في الساحل السوري تحت وطأة سياسات الإقصاء الممنهج والتهميش الوظيفي التي تمارسها سلطة الأمر الواقع في دمشق، إذ رصدت الصحافية والباحثة الألمانية كريستين هيلبيرغ خلال زيارتها الميدانية إلى محافظة طرطوس حالة متصاعدة من الخوف والإحباط المخيّمَين على المكونين العلوي والمسيحي، ما دفع شرائح واسعة من الكفاءات العلمية والشابة، وعلى رأسها الأطباء والمهندسون، إلى إعداد ترتيبات هجرة جماعية وشيكة نحو أوروبا، ولا سيما ألمانيا.
وكشفت الشهادات الميدانية التي نقلتها هيلبيرغ عن تحول قسري في بنية المجتمع السوري، حيث باتت معظم العائلات في المنطقة تضم عضوًا واحدًا على الأقل ينكبّ على تعلم اللغة الألمانية تمهيدًا للمغادرة؛ بعدما تقاطعت الضغوط الاقتصادية مع الإقصاء الإداري، ليتحول الطبيب إلى أمين صندوق والمهندس إلى سائق سيارة أجرة بادخار زهيد من أجرته لتأمين تكاليف التأشيرة.
وتكشف المعطيات الصادرة عن الباحثة الألمانية عن آليات تفكيك ناعمة للوجود الوظيفي للأقليات عبر دفع الموظفين أبناء تلك المناطق بأساليب غير مباشرة إلى خارج المؤسسات العامة، وشمل ذلك نقل المعلمات تعسفيًا وحرمان الحقوقيين من فرص الترقية المستحقة، وصولًا إلى تسريح أعداد غفيرة منهم دون غطاء قانوني.
ولم تقف تداعيات هذا النهج عند التضييق المعيشي والإداري، بل امتدت لتنسج حالة من انعدام الأمان الاجتماعي والشعور بالاغتراب الوطني عقب الممارسات والأحداث الدامية التي شهدها شهر آذار من عام 2025، والتي أكدت هيلبيرغ أنها قضت عمليًا على حالة الانتماء المشترك ووحدوية المشهد الاجتماعي، وأعادت فرض الانقسام المجتمعي بحجج ودوافع فئوية ضيقة تُكرّس الشعور باستحواذ فئة واحدة على فضاء الدولة.
وتأتي هذه الهجرة الكثيفة المرتقبة للكوادر الطبية والهندسية، بحسب تحذيرات هيلبيرغ، لتضع مستقبل البلاد أمام مأزق تنموي وإنساني شديد الخطورة، إذ تفرغ المؤسسات والقطاعات الخدمية من طاقاتها الحيوية والتعليمية الأكثر احتياجًا، في وقت تتزايد فيه المتطلبات الماسة لإعادة الإعمار وترميم الهياكل الخدمية لرعاية السكان المنهكين.



