ملفات ساخنة

وثيقة «جيفرسون».. سردية تخويف للسويداء بلا مصدر رسمي

تتداول صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وثيقة تحمل اسم «معاهدة جيفرسون لإعادة التوطين الديموغرافي والاستقرار الإقليمي»، وتزعم أنها اتفاق أمريكي ـ سوري ـ إسرائيلي سيبدأ تنفيذه في الأول من كانون الثاني 2027، ويتضمن تهجير دروز السويداء إلى “إسرائيل” وإعادة توطين يهود سوريين في المحافظة.

لكن الوثيقة، بصيغتها المتداولة، لا تقدم أي مصدر رسمي يمكن التحقق منه، ولا تحمل رقماً لمعاهدة أو تاريخاً لتفاوض أو توقيع، ولا تشير إلى جهة أمريكية أو سورية أو إسرائيلية أعلنت عنها. كما أن البحث في المصادر الرسمية المتاحة لا يظهر وجود اتفاق بهذا الاسم أو اختصار JADRP، ما يجعل التعامل معها كوثيقة رسمية أمراً غير مهني قبل تقديم أصلها وسندها القانوني.

الأخطر في الوثيقة ليس فقط غياب الدليل، بل طبيعة الرواية التي تنتجها. فهي تقدم سيناريو كاملاً للتهجير القسري والقوافل والقوائم الإلزامية ومصادرة الممتلكات والعقوبات والرقابة الأمريكية، وكأن التنفيذ بدأ فعلاً، من دون تقديم وثيقة أصلية أو قرار رسمي واحد يثبت أياً من ذلك.

بهذا المعنى، تبدو الوثيقة أقرب إلى مادة دعائية مصممة لزرع الخوف في المجتمع الدرزي وربط مصير السويداء بمشروع تهجير شامل، بما يخدم رواية تريد تحويل الخوف إلى حقيقة مسبقة. وهذه الرواية تخدم سلطة الجولاني حتماً، لأنها تنقل النقاش من مسؤولية السلطة عن الوقائع والانتهاكات إلى سؤال افتراضي عن مستقبل المحافظة، وتدفع المجتمع إلى العيش تحت هاجس الرحيل والتغيير الديموغرافي.

ولا تقف خطورة هذا الخطاب عند الجانب النفسي والسياسي. فصناعة الخوف حول مصير السويداء يمكن أن تتحول إلى سوق للاستغلال، يستفيد منها أمراء الحروب وتجارها والمضاربون بالعقارات، عبر دفع أصحاب الممتلكات إلى البيع تحت ضغط الخوف من المستقبل، أو التلاعب بأسعار الأراضي والعقارات، أو استغلال حالة عدم اليقين لإعادة تشكيل الملكيات ومراكز النفوذ داخل المحافظة. وحين تصبح الشائعة أقوى من الوثيقة، يصبح الخوف نفسه أداة اقتصادية وسياسية يمكن الاتجار بها.

أما الحديث عن مشروع إسرائيلي لإفراغ السويداء من أهلها وإحلال اليهود مكانهم، فلا يمكن تحويله إلى حقيقة بمجرد إسناده إلى «مصدر أمريكي رفيع» مجهول. فالسياسة الإسرائيلية المعلنة والقوانين الإسرائيلية القائمة لها مسارات وأطر أخرى؛ فقانون أساس «إسرائيل ـ دولة قومية للشعب اليهودي» يكرس إسرائيل بوصفها الدولة القومية للشعب اليهودي، بينما قانون كامينيتس يرتبط بتشديد إنفاذ قوانين التخطيط والبناء، وليس بمعاهدة لتبادل السكان مع السويداء.

لذلك، فإن استخدام اسم «كامينيتس» لإضفاء غطاء قانوني على وثيقة مجهولة المصدر لا يصمد أمام التدقيق.

المشكلة الأساسية ليست في مناقشة المخاطر التي تواجه السويداء، بل في تحويل الاحتمالات والسيناريوهات المجهولة إلى أخبار مؤكدة. فالسويداء شهدت بالفعل انتهاكات خطيرة موثقة أممياً خلال تموز 2025، بينها قتل ونزوح قسري وعنف جنسي، وهو ما يستوجب التحقيق والمحاسبة، لا صناعة وثائق مستقبلية مجهولة المصدر.

ومن هنا، فإن مواجهة هذه الوثيقة لا تكون بإنكار المخاوف المشروعة لدى أهالي السويداء، وإنما بالفصل بين الوقائع والشائعات: ما هو موثق يجب كشفه، وما هو ادعاء يجب إثباته، وما هو سيناريو مستقبلي لا يجوز تقديمه للرأي العام باعتباره قراراً اتخذته واشنطن أو تل أبيب.

فالسويداء لا تحتاج إلى صك براءة من أحد، ولا إلى رواية مرعبة مجهولة المصدر حتى يدرك أهلها حجم المخاطر. ما تحتاجه هو إعلام يضع الوقائع أمام الرأي العام، ويفتح الملفات حيث وقعت الانتهاكات، ويحاسب سلطة الجولاني على أفعالها، ويفكك في الوقت نفسه كل خطاب يحول الخوف إلى أداة للسيطرة على المجتمع أو سوقاً للتلاعب بأرضه وملكياته ومستقبله.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى