اقتصاد

7 سنوات على الدوران في حلقة «ردّ الودائع»: السلطة تماطل تمهيداً لبيع الذهب

محمد وهبة - الاخبار

منذ سبع سنوات لليوم يغرق ملف معالجة الإفلاس في القطاع المالي بنقاشات لا تنتهي بين أطراف محليّة، متشابكة أو متعارضة، مع صندوق النقد الدولي. وبالنتيجة، ما أُنجز لغاية اليوم هو أسهل جزء يتعلق بحدود وضوابط معالجة أوضاع المصارف، إلا أن تطبيقه مرتبط بالجزء الثاني الأكثر تعقيداً وأهمية، وهو قانون الفجوة أو قانون الانتظام المالي، الذي يوزّع الخسائر ويحدّد قدرة الدولة ومصرف لبنان والمصارف على ردّ الودائع. الجزء الثاني ما زال قيد النقاش في لجنة فيها وزيرا المال والاقتصاد ياسين جابر وعامر البساط، وانسحب منها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. تسير هذه النقاشات من دون أن تتضح حتى الآن مؤشّرات تهدف إلى حسم الخطوات المقبلة التي تمثّل أساس أي معالجة لإحياء القطاع المالي في لبنان. سبب ذلك، غياب أي تصوّر واضح للخيارات المُتاحة، وتعامل قوى السلطة مع المسألة وفق حدود رسمتها سابقاً تحت عنوان «الودائع مقدّسة»، أي إنها تفترض أن بإمكانها ردّ الودائع. لكن الواقع، أن حجم الخسارة كبير ويحجب أي تفكير منهجي لفتح طريق الخروج من الأزمة، وبالتالي حصرت السلطة خياراتها بمدّ اليد على الذهب لبيعه وتسديد بعض من الودائع، وهو ما يوافق عليه صندوق النقد الدولي.

نقاش الملكية والمحاسبة
في الأشهر الماضية كان النقاش مُركّزاً على تعديلات يطلبها صندوق النقد الدولي تتعلق بقانون معالجة أوضاع المصارف وتحديداً البنود المتعلقة بالهيئة المصرفية العليا وتركيبتها وصلاحياتها. مصرف لبنان كان المعترض الأساسي على بعض هذه التعديلات المتعلقة بصلاحياته كحاكم لمصرف لبنان ورئيس للهيئة التي ستطبّق قانون معالجة أوضاع المصارف.

أخذ النقاش بضعة أشهر للتوصل إلى مخارج لتعديل المادتين 3 و13 من قانون معالجة أوضاع المصارف، قبل أن تطرأ اعتراضات جديدة خلقت نقاشاً واسعاً حول السماح أو منع المساهمين من المشاركة في رسملة مصارفهم التي يتم إ90نقاذها. فقد أوصى الصندوق، باستبعاد كبار المساهمين عن المشاركة في الرسملة باعتبار أن هؤلاء شاركوا في اتخاذ القرارات الأساسية التي أدّت إلى الإفلاس، ولا يمكنهم المشاركة في إدارة المصرف مجدداً. هو نوع من العقوبة التي يحاول الصندوق فرضها لمنع تكرار ما حصل سابقاً.

في المقابل قال كريم سعيد إن تحميل هؤلاء المسؤولية عن القرارات الإدارية التي أدّت إلى تعثّر المصرف «لا يستند إلى أي أساس قانوني أو واقعي»، مبرّراً موقفه بالتمييز بين الملكية والإدارة، فلا يُسأل المساهم مهما بلغت نسبة مساهمته، عن القرارات التنفيذية، إلا إذا ثبت أنه كان يمارس سيطرة فعلية على الإدارة التنفيذية أو يوجّهها أو يمارس عليها نفوذاً حاسماً أدّى إلى وقوع المخالفات والتعثّر. أي إن الحاكم يشترط مُسبقاً إثبات تورّط الإدارة التنفيذية في ما أدّى إلى تعثّر المصرف، ثم يذهب في اتجاه الفصل بين المساهم والإدارة التنفيذية.
بهذا، يستبق الحاكم النتيجة التي تفرضها توصيات صندوق النقد الدولي، لأنها ستؤدّي إلى التمييز بين مساهمين صغار مؤهلين للمشاركة في رسملة المصرف، ومساهمين كبار مستبعدين عن العملية، ما قد يؤدي إلى احتفاظ المسؤولين الحقيقيين عن الإخفاق، بمراكزهم، وحرمان من لم تثبت مسؤوليته، من حقّه في المشاركة بإعادة الرسملة. وهذا سيؤثّر سلباً على «الاستثمار المستقبلي في القطاع المصرفي اللبناني»، لأنه سيُدخِل «مستثمرين جدداً لتولي الأكثرية في المصرف».

بالنسبة إلى كريم سعيد، فإن تعديلاً كهذا سيؤدّي إلى تعديل في بنية الملكية في القطاع المصرفي. وهذا هو المبرّر نفسه الذي ارتُكز عليه في مراحل ماضية من النقاش، لاستبعاد منح أي ترخيص مصرفي جديد، أو لاستبعاد تحويل الودائع إلى مساهمات في المصارف. ثمة قلق غير مُبرّر من هذا التغيير. لكن السؤال المركزي في سياق هذا الاعتراض، يتعلق بما إذا كان سعيد أو أي جهة أخرى راغبة في منح المصرفيين مكافأة على أعمالهم «العظيمة» التي أدّت إلى التعثّر الجماعي (وهذا الأمر لا يعفي مشاركة قوى السلطة) الذي يوصف اليوم بأنه «أزمة نظامية»، أي كأنه يقول إن المصارف لم تكن جزءاً من هذا النظام ولا تجب محاسبتها وتحميلها أي مسؤولية عمّا حصل.

النقاش الذي دار في لجنة المال والموازنة انتهى إلى تعديل بسيط في الصيغة المُقترحة من الحكومة. قرّرت اللجنة أن توسّع إطار التعامل ليشمل كل المساهمين، علماً أن الفقرة نفسها تمنح صلاحيات استنسابية في استثناء أي مساهم من الحرمان بزيادة رأس المال. كان نقاشاً مُفرط السخافة على مدى أسابيع لإنجاز تعديلات يطلبها الوصي صندوق النقد الدولي. تحديد أهداف القانون هو الأساس الغائب الذي يُفترض أن يقوم عليه القانون كلّه. لو كان لدى الحكومة ومجلس النواب تصوّر واضح، لأقرّ القانون بسرعة وسهولة ولما بقي «قيد النقاش» لسبع سنوات و«قيد التعديل» لأكثر من سنة ونصف سنة.

فجوة أو فجوات؟
بالنسبة إلى الجزء الثاني المتعلق بالتعامل مع الفجوة في القطاع المالي، أو عملية توزيع الخسائر، فإن اللجنة المُكلّفة ما زالت تدرس النقاط الأساسية لهذا المشروع بناءً على الأرقام التي تأتي من مصرف لبنان. عملية الدرس لا تستند إلى سياسة مستقبلية واضحة للقطاع المالي ودوره في لبنان بل تتركّز على مسألة محاسبية عن حجم الخسائر وكيفية تخفيفها لخفض قيمة المبالغ التي يمكن ردّها للمودعين. والسبب وراء ذلك، أنه لا توجد سياسة مصرفية ونقدية ومالية واضحة لغاية الآن، وأن كل الأطراف المعنية بردّ الودائع لا تملك فعلياً ما يكفي لتغطية المبالغ المطلوب ردّها. هكذا يصبح محور المسألة حجم الاقتطاع المنوي فرضه على الودائع وآليات فرضه بالإضافة إلى البحث عن الموارد لتسديد الحقوق.

يبدو أن صندوق النقد الدولي موافق على ضمانة الذهب للسندات وتسييله للتسديد

النقاش عالق في هذه المسألة منذ اليوم الأول للأزمة، ولم يبارحها رغم تعدّد المشاريع التي لم ترق إلى مستوى العلاج بعد. قوى السلطة تحاول جاهدة إبقاء النقاش ضمن حدود إدارة الأزمة بعيداً من أي نقاش جوهري بشأن وظيفة القطاع المالي في لبنان. لذا، يبقى النقاش قائماً في اللجنة المُكلّفة حول توزيع الخسائر انطلاقاً من إحجام السلطة عن رسم قواعد جديدة للعمل المالي في لبنان، باستثناء ما يأتيها من الخارج سواء من وزارة الخزانة الأميركية أو منظمة «فاتف» أو أي طرف آخر معنيّ بمراقبة التدفقات المالية إلى لبنان.

تتمحور هذه النقاط، حول قيمة المبلغ الذي سيُردّ للمودع، سواء المبلغ النقدي أو المبلغ الذي سيسترده على شكل سندات تصل آجالها إلى 30 سنة. حتى الآن، هناك مسألة رد المبلغ النقدي الذي يراوِح بين 100 ألف دولار لكل مودع، و60 ألف دولار لكل مودع. مصرف لبنان والمصارف يريان أنه يجب تضمين مبلغ الـ100 ألف دولار لكل مودع، كل المبالغ السابقة التي حصل عليها المودع، وأبرزها تلك المبالغ التي دفعتها المصارف ومصرف لبنان من خلال التعميمين 158 و166.

حتى الآن بلغت قيمة ما دُفع عبر التعميمين نحو 6 مليارات دولار، وبرأي مصرف لبنان يجب أن تُحسم من المبلغ الإجمالي المستحق إذا اعتُمد مبلغ الـ100 ألف دولار ليصبح 60 ألفاً. طبعاً إضافة إلى ذلك هناك مشكلة في حصص الدولة ومصرف لبنان والمصارف لتسديد هذه الودائع، وجدول استحقاقاتها السنوية. لكن ليس هذا هو الطرح الوحيد على الطاولة لخفض مبلغ ردّ الوديعة. فمن بين المطروح أن يأخذ المودع 100 ألف دولار على سبع سنوات، أو يأخذ 60 ألفاً على أربع سنوات. التمييز بين الأمرين يتعلق بالقيمة الفعلية للمال، وهذا نقاش تقني خلاصته أن المبلغين متوازيان ضمن المهل المتباعدة للتسديد.

أيضاً برزت مشكلة تتعلق بردّ الودائع عن طريق السندات التي تستحق آجالها بين 20 سنة و30 سنة. فهذه السندات تمثّل الكلفة الأكبر على طريق ردّ الودائع وتضمينها في الميزانيات، سواء في ميزانية مصرف لبنان أو المصارف، يوجب ذلك أن يكون مقابلها أصول تدعمها. هكذا برز سؤالان: من أين سيتم تمويل كلفة السداد؟ وما هي الأصول المقابلة في الميزانيات؟

يبدو بحسب المعلومات أن صندوق النقد الدولي موافق على أن يكون الذهب هو الأصول المقابلة لهذه السندات في الميزانيات، وأن يتم تسييل وبيع جزء منه لتسديد المترتّبات المالية على الدولة اللبنانية. وعند هذه النقطة لا تظهر خلافات كبيرة بشأن هذا الأمر، إلا أن الإخراج هو محور النقاش إذا تمكّنت اللجنة من تجاوز مسألة الـ100 ألف دولار.

بين «قرطة الزعران» والوصي الجديد
ما زال مشروع توزيع الخسائر مُعلّقاً بين مجموعة من الزعران الذين لم تقتلعهم رياح التغيير سابقاً ويتمسّكون بمواقعهم في السلطة حالياً، ووصاية صندوق النقد الدولي التي تحاول استبدال نظام الحكم بآخر ذي أهداف سياسية. فقد تأرجح مشروع التعامل مع الإفلاس المصرفي من فشل إلى فشل.

بدأ الأمر بامتناع قوى السلطة عن إقرار قانون كابيتال كونترول، ما أدّى إلى إهدار ما تبقّى من مخزون العملات الأجنبية والسيولة الجاهزة للاستعمال لدى مصرف لبنان. قبل الأزمة كان يملك المصرف المركزي أكثر من 34 مليار دولار، ثم فجأة بعد بضع سنوات تدنّى الرقم إلى 7 مليارات دولار. الكابيتال كونترول كان ضرورة لاستعمال هذه الأموال بأهداف بنيوية ومنع تفكّك المجتمع. ثم طُعِن المشروع الأول لتوزيع الخسائر بحجّة أن «لازار» هي التي أعدّته وأنه يجافي الوقائع. وبالطريق أطيح بمشروع منح خمس رخص مصرفية جديدة.

لاحقاً أصبحت الطعنات تتوالى من دون تعداد. ثم وصل مشروع التعامل مع الخسائر إلى نيسان 2025 منفصلاً إلى جزءين، أولهما عن معالجة أوضاع المصارف، وثانيهما عن الفجوة والانتظام المالي. في الطريق بدأ صندوق النقد الدولي يعيد تشكيل القانون الأول حتى بعد إقراره من مجلس النواب. انقسم المعنيون إلى عدّة أقسام: المصارف، صندوق النقد الدولي، وهوامش أخرى بينهما. هذا المسار متواصل إلى اليوم لكنه مبنيّ على قاعدة سياسية يمكن تلخيصها بما سمعه النائب إبراهيم كنعان ذات مرّة من مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية: لن تحصلوا على أي قرش حتى تعالجوا موضوع سلاح حزب الله.

الأميركيون يجيدون ركوب موجات الإفلاس والازدهار والعمالة، لكنّ هذا لا يعني أبداً أن قوى السلطة في لبنان مُطابِقة لمواصفات الحاكم، بل بغالبيتها هي أقرب إلى قرطة زعران. لبنان يقع اليوم بعد الإفلاس والحروب المتتالية بين هذين المسارين، الأول يقود نحو التصفية والإخضاع، والثاني يقود نحو التصفية بهدف إعادة توزيع ما تبقّى على بعض من تبقّى. وبين الأمرين هناك 800 ألف مهاجر من العائلات والشباب، وتفكّك مؤسّسي في القطاعين العام والخاص واندثار لما تبقّى من ميزات تفاضلية للاقتصاد والمزيد من التورّم المالي بالدين.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى