ملفات ساخنة

بعد رفع العقوبات.. سلطة الجولاني تحمّل مواطنيها كلفة الفشل

عامر علي - الاخبار

بعد مرور نحو عام ونصف العام على بدء رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية التي كانت مفروضة على سوريا، ونحو عامَين تقريباً على سقوط النظام السابق وصعود «هيئة تحرير الشام»، وما أعقب ذلك من تحوّل إلى الاقتصاد الحر من أبوابه الواسعة، تعيش البلاد على وقع أزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة، تنذر، مع استمرار هذه الأزمات وزيادة حدّتها، بانفجار شعبي أكبر.
يمكن النظر إلى موجة الغضب الشعبي، التي أعقبت زيادة أسعار المحروقات بنسب وصلت إلى نحو 40 في المئة خلال الأسبوعين الماضيين -والتي تخلّلها قيام المئات بقطع الطرقات والخروج في تظاهرات احتجاجية في مناطق مختلفة، بدءاً من الشمال الشرقي وصولاً إلى أقصى الشمال الغربي-، باعتبارها أوّل ردة فعل شعبية من قبل المواطنين الذين لم يلمسوا أي تحسّن فعلي في مستوى المعيشة والخدمات، برغم الوعود البراقة التي أطلقتها، ولا تزال تطلقها، السلطات الانتقالية.
تكفي نظرة واسعة وسريعة على الأوضاع المعيشية، ومدى انعكاس القرارات الحكومية الجديدة على حياة المواطنين، ليظهر بشكل واضح وجود عدد كبير من الفجوات، بدءاً بالفجوة بين مستوى الأجور والمرتبات وبين تكاليف المعيشة التي أصبحت باهظة في ظلّ غياب الدعم الحكومي. فخلال عام 2025، رفعت السلطات الحدّ الأدنى للأجور بنسبة 200%، ثمّ أضافت زيادة جديدة بنسبة 50% في آذار 2026، ليصل هذا الحدّ إلى 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً، أي ما يعادل مليوناً و256 ألف ليرة وفق القيمة القديمة للعملة.

إلا أن هذه الزيادات بقيت أقلّ من الارتفاع المتراكم في تكاليف المعيشة، كما أنها جاءت بعد عملية طرد ممنهجة للموظفين من المؤسّسات الحكومية التي جرت خصخصة قسم كبير منها، أو تخفيض عدد العاملين فيها، الأمر الذي يعني أن الزيادة لمست فعلياً شريحة صغيرة من المجتمع. وفي مقابل رفع الأجور، الذي لا يشمل العاملين بصورة غير نظامية أو المياومين، ويصعب التأكّد من تطبيقه في القطاع الخاص في ظلّ عدم وجود أجهزة رقابية حقيقية، بلغت سلّة الحد الأدنى للإنفاق لأسرة مؤلّفة من 5 أشخاص نحو 2.65 مليون ليرة قديمة في آذار 2026 -بحسب «برنامج الأغذية العالمي»-، أي نحو 26,500 ليرة جديدة -بعد ارتفاعها بنسبة 9% خلال شهر واحد-، وهو ما يعني أن الحدّ الأدنى للأجور لم يكن يغطّي سوى أقلّ من نصف الاحتياجات الشهرية الأساسية للأسرة، حتى بعد الزيادة الأخيرة.
والجدير ذكره، هنا، أن هذه الإجراءات ترافقت مع حصول السلطات الانتقالية على منحة قطرية وسعودية بقيمة 89 مليون دولار، تمّ تنفيذها عبر «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وخُصّصت لتغطية جزء من رواتب العاملين في القطاعات الاجتماعية والخدماتية لمدّة ثلاثة أشهر. غير أن تلك المنحة، التي بدأ سريانها في تشرين الثاني 2025، انتهت بانقضاء مدّتها الأولية، من دون الإعلان عن تمديدها، الأمر الذي أعاد الأجور إلى ميزانية الدولة التي تعاني أساساً حال نقص كبير في السيولة، وفق تصريحات حكومية عديدة.
كذلك، حصلت السلطات على منحة أخرى من قطر لتغطية ثمن الغاز الذي تمّ استجراره من آذربيجان، والذي يغطي، وفق تصريحات صحافيين مقرّبين من السلطات، نحو ساعتَي تشغيل. لكن هذه المنحة توقّفت هي الأخرى، ما دفع السلطات إلى زيادة عدد ساعات التقنين، علماً أنه تمّ رفع أسعار الكهرباء في تشرين الثاني 2025 بنسبة وصلت إلى 60 ضعفاً. وبرغم إعلان السلطات وجود دعم بنسبة نحو 60 في المئة بالنسبة إلى الشريحة الأولى (تمّ رفع الأسعار وفق نظام الشرائح المرتبطة بالاستهلاك)، فوجئ المواطنون بصدور فواتير كهرباء غير مسبوقة وصلت إلى مئات آلاف الليرات، وتجاوز بعضها المليون ليرة، الأمر الذي أضاف بدوره طبقة جديدة من الضغوط المعيشية على المواطنين.

الاحتجاجات الأخيرة مؤشر إلى غضب قابل للاتساع، إذا استمرّ تحميل المواطنين كلفة فشل الإجراءات الحكومية

وفي وقت لا تتوافر فيه أرقام حديثة لنسبة الفقر في سوريا، تُظهر آخر أرقام أممية، أصدرها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» بعنوان «أثر الصراع في سوريا» (تمّ نشره في شباط 2025 واعتمد بيانات عام 2024)، ارتفاعَ نسبة السكان الذين يعيشون تحت خطّ الفقر من نحو 33% قبل الحرب إلى 90%، فيما وصلت نسبة الفقر المدقع إلى 66%. ونُشرت هذه الأرقام قبل عمليات الرفع المتتابعة لأسعار المحروقات التي أثّرت بشكل مباشر على جميع السلع، بما فيها الخبز الذي ارتفع سعر ربطته -بوزن 1500 غرام و12 رغيفاً- من 400 إلى 4000 ليرة، ثم خُفّض وزن الربطة في شباط 2025 إلى 1200 غرام، قبل تقليص عدد أرغفتها من 12 إلى 10 في تشرين الأول من العام نفسه، ويُصار تالياً إلى تخفيض وزنها مجدداً إلى 1050 غراماً في أيار 2026، وصولاً إلى 1000 غرام وثمانية أرغفة في حزيران من العام نفسه، مع إبقاء السعر عند 4000 ليرة. ويعني ذلك أن الرفع الأول المباشر للسعر تبعته زيادات غير مباشرة، تمثّلت في تخفيض الوزن وعدد الأرغفة. وتزامنت هذه الإجراءات مع إعلان «المؤسسة السورية للحبوب»، وهي الجهة الحكومية الرئيسة المسؤولة عن استلام القمح، في 5 آب الماضي، أنها استلمت 2.7 مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي، أي ما يتجاوز حاجة البلاد السنوية المقدّرة بنحو 2.55 مليون طن، ويحقّق فائضاً قدره 150 ألف طن واكتفاءً ذاتياً للمرّة الأولى منذ عام 2010.

ورغم أن السلطات حدّدت سعر القمح بشكل جائر جداً على المزارعين الذين احتجّوا على الأسعار (46 ألف ليرة سورية جديدة، أي 4.6 ملايين ليرة قديمة) -وهو ما دفع الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، لاحقاً، إلى إصدار المرسوم رقم 120 لعام 2026، الذي منح بموجبه المزارعين مكافأة تشجيعية قدرها تسعة آلاف ليرة جديدة عن كلّ طن-، بدا مفارقاً عجز السلطات عن دفع ثمن القمح الذي استلمته من الفلاحين. وفي هذا السياق، تبيّن الأرقام الرسمية، في محافظة الرقة على سبيل المثال، أن عدد قوائم فواتير شراء القمح الواردة إلى فروع «المصرف الزراعي» بلغت نحو 3600 قائمة حتى 17 آب، لكن مستحقات 1113 قائمة منها فقط كانت قد صُرفت؛ أي أقلّ من ثلث العدد الإجمالي للمستحقات. وفي الإطار نفسه، يقول مزارعون في الحسكة، في حديثهم إلى «الأخبار»، إن «معظم الفلاحين لم يستلموا ثمن القمح»، مؤكدين أن «السعر أساساً وكذلك المكافأة لم يوفّرا أيّ هامش ربح، بل يعتبر الأمر بالنسبة لكثيرين خاسراً».
هكذا، تُظهر الأوضاع الحالية أن الأزمة الاقتصادية لا تتعلّق بالعقوبات -بعد أكثر من عام على رفع الجزء الأكبر منها-، إنما بقدرة السلطات الانتقالية على إدارة الموارد المتاحة، والتي وصفها الشرع، خلال «القمة الإعلامية العربية» في دبي هذا الشهر، بأنها «كبيرة جداً»، وقادرة على إطعام نحو 70 إلى 75 مليون شخص من دون تقنيات زراعية حديثة، وأن هذه القدرة يمكن أن تتجاوز 100 مليون مع استخدام تلك التقنيات.

وعلى أيّ حال، فإن اعتماد الحكومة على مِنح مؤقتة لدفع الرواتب وتشغيل محطّات الكهرباء، بالتوازي مع عجزها عن تسديد أثمان القمح ورفعها أسعار الخبز والمحروقات والكهرباء، يكشف هشاشة الوضع المالي، ويضع السوريين أمام أعباء إضافية، ويزيد من اتساع الفجوة بين الوعود والاستثمارات المعلَنة من جهة، ومستوى الدخل والخدمات من جهة أخرى. ومن هنا، تبدو الاحتجاجات الأخيرة مؤشراً أولياً إلى غضب قابل للاتساع، خصوصاً إذا استمرّت السلطات في تحميل المواطنين كلفة فشلها.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى