الدروز والتحولات الكبرى: قلق الوجود وأسئلة الدور في شرقٍ يتغيّر
بقلم د. هشام الأعور

من يقرأ تاريخ المشرق بعمق، يدرك أن الدروز لم يكونوا يوماً مجرد جماعة دينية محدودة الانتشار داخل جغرافيا معزولة، بل شكّلوا عبر مراحل طويلة جزءاً من التوازنات السياسية والاجتماعية التي قامت عليها المنطقة. فمن جبل لبنان إلى حوران والجليل، ارتبط حضورهم دائماً بمساحات التماس بين الجغرافيا والسياسة، وبين الهوية والتحولات الكبرى التي عصفت بهذا الشرق على امتداد القرون.
ولم يكن الدور الدرزي في تاريخ المنطقة قائماً على فكرة الغلبة العددية أو النفوذ العسكري الصرف، بل على القدرة المستمرة على التكيّف مع التحولات، وإنتاج صيغة سياسية تحافظ على الوجود والدور ضمن بيئات شديدة التعقيد والتقلّب. ولذلك، ارتبطت التجربة الدرزية تاريخياً بفكرة التوازن، وبمحاولة بناء مساحات مشتركة تحفظ الاستقرار وتمنع الانفجار الكامل داخل المجتمعات المتعددة.
لقد فهم الدروز باكراً أن الجغرافيا في هذا الشرق ليست ثابتة، وأن الكيانات السياسية التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن نهائية أو محصّنة ضد الاهتزازات الكبرى. لذلك، نشأت لديهم حساسية دائمة تجاه التحولات الإقليمية، انطلاقاً من إدراك عميق بأن أي تغيير في خرائط النفوذ أو موازين القوى ينعكس مباشرة على الجماعات الصغيرة المنتشرة على خطوط التماس التاريخية.
واليوم، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة، لا تقتصر على تبدّل الأنظمة أو موازين القوى، بل تمتد إلى إعادة طرح أسئلة الكيانات والهويات والدور السياسي لمختلف الجماعات والمكونات. فمنذ اندلاع الحروب الكبرى في سوريا والعراق، مروراً بالانهيار اللبناني، وصولاً إلى تداعيات الحرب المفتوحة بعد “طوفان الأقصى”، دخل المشرق مرحلة غير مسبوقة من السيولة السياسية والجغرافية، حيث تتراجع الحدود التقليدية أمام صعود مشاريع النفوذ والمحاور والصراعات المفتوحة.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز السؤال الدرزي بوضوح: ما هو مستقبل الدروز في شرقٍ يعاد تشكيله؟ وكيف يمكن لجماعة تاريخية موزعة بين أكثر من دولة أن تحافظ على حضورها ودورها وهويتها وسط انهيارات تضرب البنى السياسية والاجتماعية التي استقرّت لعقود طويلة؟
فالقلق الذي يعيشه الدروز اليوم لا يرتبط فقط بالتحولات الداخلية في لبنان أو سوريا أو فلسطين، بل يتصل بشعور أوسع بأن المنطقة بأسرها تدخل مرحلة إعادة رسم للنفوذ والجغرافيا السياسية، وأن الجماعات الصغيرة ستكون الأكثر تأثراً بأي اهتزاز كبير في خرائط السلطة أو مشاريع التقسيم أو الفوضى.
وقد تعمّق هذا الشعور مع ما شهدته السويداء ومناطق درزية أخرى من هجمات إرهابية ومحاولات لضرب البنية الاجتماعية والأمنية للمجتمع الدرزي، إضافة إلى تصاعد مناخات التطرف والانقسام في أكثر من ساحة. فهذه التطورات لم تُقرأ باعتبارها أحداثاً أمنية معزولة، بل كجزء من مشهد إقليمي مضطرب يهدد التعددية التاريخية التي قام عليها المشرق.
وفي موازاة ذلك، يعيش لبنان نفسه واحدة من أخطر أزماته الوجودية منذ تأسيسه. فالدولة التي شكّلت لعقود مساحة للتوازن والتعددية دخلت مرحلة انهيار سياسي واقتصادي ومؤسساتي عميق، فيما تتزايد المخاوف من تحوّلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الواقع على البيئة الدرزية التي ارتبط تاريخها السياسي بفكرة الدولة اللبنانية والتوازن الداخلي والشراكة الوطنية.
إلا أن المسألة اليوم تتجاوز حدود القلق الأمني أو السياسي التقليدي، لتصل إلى سؤال أعمق يتعلق بموقع الدروز في المعادلات المقبلة. فهل يستطيع الدروز الحفاظ على دورهم السياسي التاريخي في ظل التحولات الديموغرافية والجيوسياسية المتسارعة؟ وهل تبقى فلسفة التوازن التي ميّزت تجربتهم قابلة للحياة في زمن المحاور الحادة والاستقطاب الإقليمي العنيف؟
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدروز كانوا أكثر حضوراً وتأثيراً عندما لعبوا دور الجسر بين المكونات، لا عندما انخرطوا في مشاريع الانقسام أو الاصطفاف الحاد. فمن جبل لبنان خرجت تسويات كبرى ساهمت في حماية الكيان اللبناني، ومن التجربة الدرزية وُلدت مقاربات سياسية قامت على إدارة التنوع ومنع انهيار التوازنات الداخلية.
لكن التحولات الراهنة تفرض تحديات غير مسبوقة. فالمنطقة لا تعيش مجرد أزمة عابرة، بل تبدو أمام مرحلة انتقالية طويلة قد تعيد صياغة خرائط النفوذ والهويات السياسية، وتفرض على مختلف الجماعات إعادة تعريف دورها وموقعها داخل الكيانات القائمة أو تلك التي قد تولد من رحم الفوضى.
ومن هنا، لا يبدو مستقبل الدروز مرتبطاً فقط بالحفاظ على حضورهم داخل مؤسسات الدول التي ينتمون إليها، بل بقدرتهم أيضاً على إنتاج رؤية سياسية جديدة تواكب التحولات المقبلة، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتهم التاريخية ودورهم التعددي داخل مجتمعاتهم.
فالدروز، بحكم تجربتهم الطويلة، يدركون أن البقاء في هذا الشرق لا يتحقق بالعزلة، كما لا يتحقق بالذوبان الكامل داخل مشاريع الآخرين. ولذلك، يبقى التحدي الأساسي أمامهم اليوم هو كيفية التوفيق بين حماية الهوية والانتماء الوطني، وبين التعامل الواقعي مع شرقٍ يتغير بسرعة غير مسبوقة.
وفي ظل المشاريع التي تلوح في أفق المنطقة، من إعادة رسم النفوذ إلى احتمالات التفكك أو إعادة تركيب الكيانات، تبدو الحاجة ملحّة لأن يكون للدروز دور فاعل في أي صياغة سياسية جديدة، لا بوصفهم جماعة تبحث عن حماية خاصة، بل باعتبارهم جزءاً من المشرق التاريخي ومن التوازنات التي حافظت، رغم كل الحروب، على الحد الأدنى من التعددية والاستقرار.
ذلك أن مستقبل الدروز، كما مستقبل كثير من جماعات المنطقة، لن يُحسم فقط بالسلاح أو بالتوازنات الظرفية، بل بقدرتهم على قراءة التحولات الكبرى، وإنتاج مشروع سياسي عقلاني يحمي الوجود والدور، ويمنع سقوط المشرق نهائياً في منطق التفكك والصراعات المفتوحة.
فالمنطقة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية مفصلية، والدروز، كما سائر مكوناتها، ليسوا خارج هذا التحول الكبير. وبين قلق الجغرافيا واضطراب السياسة، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الحفاظ على الهوية والدور، من دون السقوط في العزلة، ومن دون الذوبان في مشاريع الآخرين، داخل شرقٍ يعاد تشكيله على إيقاع الحروب والتحولات الكبرى؟



