ســراب الوعـود وسـطوة الـواقـع: هـكـذا تُـبـاع الأوهـام لـلـسـوريـيـن

تتكشف يوماً بعد يوم زيف الشعارات التي روجت لها سلطة الأمر الواقع في دمشق، فبينما كان السوريون ينتظرون “عهداً جديداً” من الرخاء بعد سنوات الحرب، اصطدموا بواقع مرير يثبت أن الوعود الثورية لم تكن سوى غطاء لفساد وتغول غير مسبوق. فالمقارنة الرقمية البسيطة بين الأمس واليوم تضع هذه السلطة في موقف العاجز المكشوف؛ ففي عهد النظام السابق، ورغم الحصار الخانق وقانون “قيصر” والعقوبات الدولية، لم يتجاوز إنتاج النفط 13 ألف برميل يومياً، ومع ذلك بقيت أسعار الخبز والكهرباء ضمن حدود معقولة (200 ليرة للربطة)، بينما اليوم، وفي ظل سيطرة السلطة الحالية على كافة الحقول النفطية وارتفاع الإنتاج إلى أكثر من 300 ألف برميل يومياً، وبدلاً من أن ينعكس هذا الثراء على المواطن، قفزت أسعار الكهرباء 600 ضعف، ووصل سعر ربطة الخبز إلى 4000 ليرة سورية، في مفارقة تعكس حجم الاستنزاف الممنهج لأقوات الشعب.
وفي محاولة للهروب إلى الأمام وتبرير هذا الانهيار المعيشي، تواصل الأدوات التنفيذية لهذه السلطة تسويق الحجج الواهية؛ حيث خرج محافظ درعا، أنور الزعبي، في لقائه الأخير مع أئمة وخطباء المحافظة، ليرمي بكرة الفشل في ملعب “الظروف العالمية” وأزمة مضيق هرمز، مدعياً أن الحرب الأمريكية الإيرانية هي السبب في ارتفاع أسعار الوقود، في تكرار ممل لأسطوانة “المؤامرة الخارجية” التي باتت وسيلة السلطة الوحيدة للتنصل من مسؤولياتها بعد أن رُفعت عنها القيود التي كانت مفروضة سابقاً.
الحقائق على الأرض في درعا فضحت زيف حملات التبرع التي ضُخمت إعلامياً، فحملة “إبشري حوران” التي قيل إنها جمعت 44 مليون دولار، تبين أنها مجرد أرقام على ورق؛ إذ اعترف الزعبي بأن 10 ملايين دولار من وزارة المالية “لم تصل” حتى الآن، وأن مبالغ ضخمة من المتبرعين ظلت وعوداً لم يُدفع منها إلا القليل، لتبقى المحافظة “مديونة” بنحو 4 ملايين دولار جراء مشاريع خدمية متعثرة. هذا التخبط الإداري والمالي يوضح كيف تُدار البلاد بعقلية الميليشيا التي تقتات على التبرعات والنهب، بينما تفتقر لأدنى مقومات الدولة المؤسساتية.
لقد بات الشارع السوري اليوم يستشعر فداحة الخديعة؛ فالممارسات التي تمارسها هذه السلطة من قتل وتطهير وفساد وتجويع، جعلت الكثيرين يترحمون على الماضي الذي شُوهت صورته بشعارات “الثورة”. إن المشهد في درعا، بمطالب أئمتها بضرورة إعادة النظر في قرارات رفع الأسعار الجائرة، ليس إلا صرخة مكتومة في وجه سلطة تبيع الوهم للسوريين وتسرق ثرواتهم، محولةً آمال التغيير إلى كابوس يومي من الفقر والاضطهاد، مما يثبت أن ما سُمي ثورة لم يكن إلا جسراً لوصول سلطة أشد فتكاً وإفساًداً من كل ما سبق.



