
يثير استبدال عبارة “التمسّك باتفاقية الهدنة والقرارات الدولية” بمصطلح “إنهاء حال الحرب مع إسرائيل” إشكالية عميقة تتجاوز اللغة إلى جوهر الخيارات السياسية والقانونية للدولة اللبنانية. فالمسألة هنا ليست مجرد تعديل في الصياغة، بل تحوّل محتمل في المرجعية التي تحكم علاقة لبنان بإسرائيل، وما يستتبع ذلك من آثار على مستوى السيادة، الالتزامات الدولية، والبنية القانونية الداخلية.
من الناحية السياسية، يستند لبنان تاريخياً إلى مرجعيتين أساسيتين في إدارة هذا الملف: اتفاقية الهدنة لعام 1949، ومندرجات اتفاق الطائف. كلاهما يؤكدان على حالة “اللاحرب واللاسلم” دون الذهاب إلى تسوية نهائية أو تطبيع شامل. هذا الإطار يتيح للبنان الحفاظ على موقفه السياسي الرافض للتطبيع، مع إبقاء النزاع ضمن حدود مضبوطة دولياً، ومرتبطة بقرارات الشرعية الدولية مثل القرار 1701 وغيره.
في المقابل، فإن استخدام تعبير “إنهاء حال الحرب” يحمل دلالات مختلفة جذرياً. هذا المصطلح يُستخدم عادة في سياق التسويات النهائية أو اتفاقات السلام، حيث يتم الانتقال من حالة نزاع مفتوح إلى حالة علاقات طبيعية، أو شبه طبيعية، بين الدول. وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة اتفاق 17 أيار 1983، الذي سعى إلى إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وما استتبع ذلك من التزامات سياسية وأمنية اعتُبرت حينها خروجاً عن الإجماع الوطني، وأُسقط لاحقاً تحت ضغط داخلي وخارجي.
أما من الناحية القانونية، فالفارق أكثر حساسية ودقة. فالتمسّك باتفاقية الهدنة والقرارات الدولية لا يتعارض مع الإطار القانوني اللبناني القائم، ولا سيما قانون مقاطعة إسرائيل، الذي يجرّم أي شكل من أشكال التعامل معها. هذا التوازن يسمح للبنان بالالتزام بالقانون الدولي من جهة، والحفاظ على منظومته القانونية الداخلية الرافضة للتطبيع من جهة أخرى.
لكن الانتقال إلى مفهوم “إنهاء حال الحرب” يفرض تلقائياً إعادة نظر في هذه المنظومة. إذ إن إنهاء الحرب، وفق القانون الدولي، يفترض إزالة القيود المرتبطة بحالة العداء، ومن ضمنها المقاطعة الاقتصادية، وتحريم التعامل، وربما يفتح الباب أمام التزامات جديدة تتعلق بالتبادل الدبلوماسي أو الأمني. بمعنى آخر، هذا الخيار لا يمكن أن يبقى في إطار الخطاب، بل يترجم حتماً في تعديلات تشريعية وسياسات رسمية.
من هنا، يبرز التساؤل الجوهري: هل نحن أمام تحول فعلي في توجهات السلطة، أم مجرد إعادة صياغة لغوية لا تعكس تغييراً في الجوهر؟ وإذا كان هناك تحول، فهل تم اتخاذه ضمن رؤية وطنية متكاملة، أم أنه يأتي استجابة لضغوط خارجية، ولا سيما المطالب الإسرائيلية–الأميركية التي طالما دعت إلى إنهاء المقاطعة وفتح قنوات التواصل؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب وضوحاً رسمياً، لأن الانتقال من منطق “الهدنة والقرارات الدولية” إلى منطق “إنهاء حال الحرب” ليس تفصيلاً تقنياً، بل خيار استراتيجي يعيد تعريف موقع لبنان في الصراع، ويعيد رسم حدوده السياسية والقانونية. وفي ظل تعقيدات الداخل اللبناني وتشابك العوامل الإقليمية، فإن أي خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تمر دون نقاش وطني واسع، يحدد ليس فقط الشكل، بل المضمون والنتائج.



