الإعدام في لبنان: 20 عامًا من التعليق… والحسم يقترب

بعد أكثر من عشرين عامًا على آخر تنفيذ لحكم إعدام في لبنان، عاد مستقبل هذه العقوبة إلى صدارة النقاش البرلماني. ففي كانون الثاني 2026، أكدت الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية أن مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام، العالق منذ سنوات، بدأ يشق طريقه داخل مجلس النواب، ما أعاد إحياء جدل ظلّ معلّقًا قانونيًا منذ عام 2004. ويأتي هذا النقاش المتجدد في وقت ترتفع فيه أعداد الإعدامات في بعض دول المنطقة، فيما يتجه عدد متزايد من دول العالم نحو إلغائها.
مسار طويل نحو إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان
ليس الجدل حول عقوبة الإعدام جديدًا في لبنان. ففي عام 2001، أظهر أول استطلاع رأي لنواب البرلمان اللبنانيين دعمًا واسعًا لإنهائها، إذ بيّنت نتائجه أن 74% من النواب يؤيدون الإلغاء الكامل أو التدريجي، بينهم 33% دعموا الإلغاء الفوري والكامل، فيما أيّد 39% وقف تنفيذ أحكام الإعدام وتعليقها، مقابل 34% عارضوا هذا التوجه. كما أظهر الاستطلاع دعمًا كاسحًا للإصلاح القانوني، إذ أيّد 94% من النواب إلغاء القانون رقم 94/302، المعروف بـ«القاتل»، والذي كان يفرض عقوبة الإعدام في جرائم القتل بغض النظر عن الدافع أو الظروف.
وكان هذا القانون قد أُقر عام 1959 عقب أحداث 1958، وعُلّق العمل به خلال الحرب الأهلية، ثم أُعيد تطبيقه عام 1994، ما أدى إلى تنفيذ 14 حكم إعدام خلال أربع سنوات فقط، قبل أن يُلغى لاحقًا.
وأكد استطلاع مماثل أُجري بين عامي 2009 و2010 استمرار الدعم البرلماني لإلغاء العقوبة، إذ أظهرت نتائجه أن 68% من النواب يؤيدون الإلغاء الكامل أو التدريجي، فيما دعم ثلثهم الإلغاء الفوري. كما أيّد 43% وقفًا فعليًا لتنفيذ الإعدامات كإجراء مؤقت، في حين انقسم الرأي بالتساوي حول دعم قرار الأمم المتحدة الداعي إلى وقف عالمي لتنفيذ أحكام الإعدام.
ومنذ عام 2004، علّق لبنان عمليًا تنفيذ عقوبة الإعدام، معتمدًا وقفًا فعليًا رغم بقائها منصوصًا عليها في القانون.
وبحسب الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، نفّذ لبنان رسميًا 51 حكم إعدام، جميعها بحق رجال، رغم صدور أحكام مماثلة بحق نساء لم تُنفّذ. ومن بين هذه الحالات، نُفذ 35 حكمًا شنقًا و16 رميًا بالرصاص. وكان أكثر من نصف الذين أُعدموا، بنسبة 55%، تتراوح أعمارهم بين 17 و27 عامًا، فيما كان 44% منهم متزوجين ولديهم أطفال.
أما من حيث الجنسية، فكان 40 من الذين أُعدموا لبنانيين، مقابل 11 أجنبيًا من سوريا وفلسطين ومصر. وتنوّعت الجرائم بين 23 حالة قتل بدافع الفقر، و8 حالات مرتبطة بالاغتصاب أو الخيانة أو أزمات عاطفية، و4 بدافع الثأر، و3 لأسباب طائفية.
اليوم، لا يزال 87 شخصًا في لبنان تحت أحكام الإعدام، رغم استمرار تعليق التنفيذ. وفي حديث إلى «The Beiruter»، أكدت هلا بو علي، عضو في فريق العمل لمناهضة عقوبة الإعدام في الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، إن لبنان دخل ما وصفته بمرحلة حاسمة في مسار إلغاء هذه العقوبة.
وأوضحت بو علي أن المركز قدّم مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام إلى البرلمان في تشرين الأول 2025، ثم أُحيل في تشرين الثاني إلى مجلس الوزراء لإبداء الرأي، وفقًا للإجراءات التشريعية المعتمدة في لبنان. ورغم أن رأي الحكومة غير ملزم قانونيًا، شددت على أنه يحمل وزنًا سياسيًا.
وقالت: «المهم أن مجلس الوزراء ناقش الاقتراح وأصدر توصية تدعم إلغاء عقوبة الإعدام، وقد أُعيدت هذه التوصية رسميًا إلى البرلمان».
وأضافت أن مشروع القانون انتقل لاحقًا إلى لجنة حقوق الإنسان النيابية، حيث جرى بحثه بحضور ممثلين عن المركز، مشيرة إلى أن الخطوة التالية تتمثل في طرحه على الهيئة العامة للتصويت عليه.
وتابعت: «عملنا اليوم يتركز على البرلمان. نحن نتواصل مباشرة مع النواب ونضغط قبل الجلسة العامة لضمان التصويت على الاقتراح وإقراره».
وأكدت أن حملة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان «ليست حديثة»، موضحة أن الحملة الوطنية المناهضة لها ناشطة منذ عام 1997.
كما أشارت إلى تغيّر موقف لبنان في الأمم المتحدة، إذ بات منذ عام 2020 يصوّت لصالح قرارات الجمعية العامة الداعية إلى وقف عالمي لتنفيذ الإعدامات، في تحول عن سياسة الامتناع السابقة. واليوم، يدعم أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة هذه القرارات، ما يعكس زخمًا دوليًا متناميًا نحو الحد من استخدام العقوبة أو إنهائها.
وقالت: «نحن نؤمن فعلًا أننا في المرحلة النهائية. هناك أمل حقيقي بأن يُقر القانون في البرلمان وأن يلغي لبنان رسميًا عقوبة الإعدام».
وتضع هذه التطورات، التحرك البرلماني، والتأييد التنفيذي، والتغير في التموضع الدولي—لبنان أمام لحظة تشريعية مفصلية. فعقوبة الإعدام لا تزال قائمة في القانون، رغم تعليق تنفيذها منذ أكثر من عقدين، وستحدد نتيجة المسار البرلماني الحالي ما إذا كان لبنان سيواصل الاعتماد على الامتناع السياسي عن التنفيذ أو يتجه إلى الإلغاء القانوني الكامل عبر التشريع.
تقييم منظمة العفو الدولية
في إطار دراستها لموقع لبنان ضمن المشهد العالمي لعقوبة الإعدام، تواصلت «The Beiruter» مع منظمة العفو الدولية للحصول على معطيات وتحليل بشأن وضعه القانوني.
وأكدت المنظمة أن لبنان لا يزال يُصنَّف ضمن الدول المُبقية على العقوبة، إذ يحتفظ بها في تشريعاته رغم عدم تنفيذ أي حكم منذ عام 2004. واعتبرت أن الفجوة بين الإبقاء القانوني وعدم التطبيق العملي تمثّل فرصة أمام الحكومة الحالية لإظهار التزام جدي بالإصلاح، داعيةً لبنان إلى الانضمام إلى الدول التي اتجهت نحو الإلغاء الكامل.
وترى المنظمة أن إلغاء العقوبة، إلى جانب مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، سيُحقق فوائد ملموسة على صعيد العدالة والمساءلة. وتستشهد بحالات حديثة، من بينها رفض بلغاريا تسليم مشتبه به في انفجار مرفأ بيروت بسبب احتمال تعرّضه لعقوبة الإعدام، ما يُبرز كيف يمكن لبقاء هذه العقوبة أن يعرقل التعاون الدولي والتحقيقات العابرة للحدود. وتؤكد أن تقنين الإلغاء من شأنه إزالة عائق أساسي أمام هذا التعاون، وتعزيز قدرة لبنان على ملاحقة الجرائم الخطيرة، ورفع فرص الوصول إلى الحقيقة والعدالة للضحايا، بما ينسجم مع المعايير الدولية المتطورة.
«The Beiruter» داخل سجن رومية
بلال البقّار: «أستيقظ كل يوم متمنيًا الموت»
حُكم على بلال البقّار، وهو متطوع سابق في الصليب الأحمر وشارك في أعمال إنسانية في طرابلس، بالسجن المؤبد بعد محاولة فاشلة لتنفيذ تفجير في منطقة جبل محسن.
يقول البقّار: «حاول أخي وأصدقاؤه تنفيذ تفجير في جبل محسن، لكنه فشل وأُلقي القبض على المنفذ. طُلب مني تسليم أخي، قطعة مني، لكنني كنت قد أخرجته من البلاد قبل العملية بعدما أقنعته بأن الأمر لن يجلب إلا الأذى. غادر هو وبقيت أنا أعاني».
ويؤكد أن المحاولة لم تسفر عن أي إصابات، مضيفًا: «لأكن واضحًا، لم تسفر محاولة جبل محسن عن قطرة دم واحدة».
ويشير إلى أنه استُجوب مع آخرين لدى أمن الدولة وأُحيل إلى المحكمة العسكرية، قائلاً: «كل التحقيقات انحصرت بمحاولة التفجير نفسها، من دون أي إراقة دماء». ويضيف أنه حوكم من دون حضور محاميه المعيّن، وأن شقيقه وصديقًا له فقط تحدثا دفاعًا عنه. وعند صدور الأحكام، حُكم عليه بالسجن المؤبد.
يستذكر: «ضحكت عندما أبلغوني بالحكم، ليس لأنه خفيف، بل لأنني كنت أعلم أن من يحاكمني هو أيضًا خصمي».
ويستعيد درسًا من أيام المدرسة قائلاً: «في الصف السابع قال لنا أستاذ التربية المدنية: لا تفكروا كثيرًا في الحياة التي نعيشها أو في الكتاب الذي تدرسون منه. إذا قارنتم كتاب التربية المدنية بالواقع، سترمون الكتب في القمامة».
ويختم: «كشخص محكوم بالمؤبد، أستيقظ كل يوم متمنيًا الموت، لأنهم سلبونا الأمل والكرامة والإنسانية».
تثير هذه الحالات، مجتمعة، مخاوف تتجاوز قسوة الأحكام نفسها، إذ تشير إلى اختلالات بنيوية أعمق في النظام القضائي اللبناني، من بينها توقيفات طويلة من دون أحكام نهائية، وتباين في القرارات القضائية، ومحاكم عسكرية تحاكم مدنيين، وإطار قانوني تبقى فيه عقوبة الإعدام قائمة إلى جانب ضمانات إجرائية هشة.
إبراهيم الصغير: «حين تسمع عبارة المؤبد تشعر أن حياتك انتهت»
كان إبراهيم الصغير يعيش حياة عادية قبل اعتقاله، يعمل ويعيل أسرته ويعيش بتواضع وسلام. وهو أب لستة أولاد. قبيل سجنه بقليل، زوّج ابنته الأولى والتقى حفيده الأول، الذي كان يبلغ سبعة أشهر. بعد ذلك بفترة قصيرة، أُوقف وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد.
كانت تلك لحظة فاصلة.
وبعد اثني عشر عامًا، لا يزال الصغير موقوفًا في سجن رومية. وخلال فترة سجنه، كبرت عائلته من دونه. الحفيد الذي حمله طفلًا أصبح اليوم مراهقًا، ولديه اثنا عشر حفيدًا إجمالًا، لم يلتقِ بمعظمهم قط. وكان ابنه الأصغر في السادسة حين دخل السجن، وهو اليوم رجل بالغ.
يقول: «لا أعرف سوى حفيد واحد».
ويضيف أنه لم يتخيل يومًا أن يُحكم بالمؤبد. وعندما صدر الحكم، شعر أن اللحظة كانت نهائية، لا قانونيًا فحسب بل وجوديًا أيضًا. «حين تسمع عبارة المؤبد، تشعر أن الحياة انتهت. كل شيء يتوقف عند هذه الكلمة».
ويؤكد أن الحكم كان جائرًا، لكنه بعيدًا عن مسألة الذنب أو البراءة، يصف العقوبة بأنها تحمل عنفًا دائمًا يتمثل في استحالة التراجع عنها. «مع الحكم، انهار كل مستقبل تخيلته: أن أشيخ مع أولادي، أن أرى أحفادي يكبرون، أن أعيش حياة عادية تصنعها العائلة لا الزنزانة».
ويضيف: «لا أحد يفهم معنى السجن المؤبد إلا من يعيشه. في تلك اللحظة يتمنى الإنسان الموت».
ومع مرور الوقت، يقول إن القدرة على التحمل تحل محل الصدمة، لكنها لا تعني الشفاء: «الجرح لا يلتئم، تتعلم فقط كيف تعيش معه».
وبعد أكثر من عقد خلف القضبان، لا يبقى الزمن المهدور وحده، بل أسئلة مفتوحة حول العدالة والتناسب والمعنى.
ويختم: «رأيت حفيدي الأول مرة واحدة. تلك هي الذكرى التي أعيش عليها».
وحاولت «The Beiruter» التحدث إلى سجناء آخرين محكومين بالإعدام، لكن عددًا منهم رفض الإدلاء بتصريحات، قائلين إنهم يعتبرون أنفسهم «أمواتًا منذ لحظة صدور الحكم».
بين موجة الإلغاء وواقع التنفيذ
على المستوى العالمي، أفادت منظمة العفو الدولية بأن 145 دولة ألغت عقوبة الإعدام في القانون أو في الممارسة، أي أنها حظرت تنفيذها رسميًا أو لم تُنفّذ أي حكم منذ سنوات طويلة. غير أن هذا المسار العام نحو الإلغاء لم يحُل دون تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الإعدامات عام 2024، إذ وثّقت المنظمة 1,518 عملية إعدام في 15 دولة، وهو أعلى رقم منذ عام 2015، ما يعكس اتساع الفجوة بين الاتجاه العالمي نحو الإلغاء والواقع القائم في عدد محدود من الدول المُبقية على العقوبة.
ومع تعليق التنفيذ في بعض الدول وتوسيعه في دول أخرى، يواصل الجدل العالمي حول عقوبة الإعدام طرح تساؤلات تتجاوز الإطار القانوني: هل يمكن تبرير عقوبة لا رجعة فيها من دون دليل قاطع على فعاليتها؟ كيف تتعامل أنظمة العدالة مع احتمال الخطأ بعد تنفيذ الحكم؟ وأين تُرسم الحدود بين القانون والأخلاق والدين والمعتقد؟ تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، وتشكل محورًا أساسيًا في النقاشات العامة وصنع السياسات حول العالم.



