اقتصاد

أين يتموضع النواب في المواجهة بين الدولة ومصرف لبنان؟

رنى سعرتي - نداء الوطن

من خلال بعض المؤشرات والعينات، يبدو أن الأكثرية النيابية تميل نحو دعم مطالب مصرف لبنان لدى الدولة للاعتراف بديونها، والاتفاق مع مصرفها على المبلغ الذي ستدفعه لتسوية هذه الديون، بطريقة تتيح للمركزي دفع التزاماته للمصارف، وتسهيل عملية تسديد الودائع إلى أصحاب الحقوق.

يبدو أن هناك مواجهة حتميّة ستقع بين مصرف لبنان والدولة التي ترفض حتى الآن التعاطي بجديّة ومسؤوليّة مع “ديونها” أو مبلغ الـ 16,5 مليار دولار وتسديده كما يحتم عليها المنطق والقانون من أجل تسهيل عملية استرداد الودائع، مما أجبر مصرف لبنان على المطالبة بما هو ضعف هذا المبلغ واعدًا بتقديم المستندات والملفات التي تظهر أحقية البنك المركزي بأكثر من 50 مليار دولار متوجّبة على الدولة لمصرف لبنان، على أن يرسل تلك الملفات إلى لجنة الإدارة والعدل لكي يتمكّن المجلس النيابي من صوغ أو تعديل قانون الفجوة المالية، بما يتماهى مع هذه الوقائع.

فهل سيقف المجلس النيابي مع مصرف لبنان أم الدولة في هذا النزاع؟

في هذا الإطار، اعتبر النائب رازي الحاج أن إحدى إشكاليات قانون الفجوة تتمثل بمطالبة مجلس النواب، بالتشريع لقانون خالٍ من الأرقام ومن أي مقاربة اقتصادية واجتماعية توضح أثره الاقتصادي، وغير واضح المعالم بالنسبة لكيفية توزيع المسؤوليات وكيفية إيفاء كلّ جهة مسؤولة بالتزاماتها. لذلك، أكد الحاج لـ “نداء الوطن” أن النواب طالبوا بمقاربة جديدة تنطلق من الأرقام لتحديد المسؤوليات وكيفية الإيفاء ووضع المعايير، “وبالتالي قبل اطّلاعنا على الأرقام، لا يمكننا أن نكون طرفًا بالنزاع القائم بين مصرف لبنان والدولة، ولكن من المؤكد أن حرصنا الأساس هو على أموال المودعين لأنها ملكية خاصة يكفلها الدستور. كما نحرص على تسريع الحلّ لإطلاق العجلة الاقتصادية لأن الهدف من هذا القانون هو استعادة الثقة وإعادة الحقوق لأصحابها وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية وتعافي القطاع المصرفي، وأي شيء مغاير لذلك ستكون نتيجته فترة طويلة أخرى من الركود الاقتصادي وارتفاعًا في التضخم”.

وفيما أكد الحاج أن معيار استدامة الدين العام يجب تطبيقه واحترامه، أوضح أنه لا يمكن منح الدولة إمكانية تسديد اليوروبوندز بكلفة عالية، رغم أنها استثمارات لمؤسسات تملك أقسامًا لتحديد المخاطر، في مقابل مودعين لم يستثمروا بسندات بل أودعوا فقط أموالهم في المصارف! معتبرًا أنه يجب أقلّه المساواة بينهم واعتبار دين الدولة تجاه مصرف لبنان أولويّة.

أضاف: إذا تملّصت الدولة من مسؤولياتها كما ورد في القانون، سيبقى لديها هامش كبير لاستدامة دينها (نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقلّ من 100%).

وشرح انه في حال اعتبار حجم الناتج عند 35 مليار دولار، ولا تريد الدولة سداد ديونها المتوجبة على مصرف لبنان، أو تقوم فقط برسملة مصرف لبنان بـ 2 أو 3 مليار دولار بموازاة قروضها البالغة حوالى 5 مليارات دولار، فإن ذلك سيمنح حملة سندات اليوروبوندز هامشًا للتفاوض مع الدولة على تسديد 20 أو 25 مليار دولار، ويبقى الدين مستدامًا. بينما لفت الحاج إلى أنه عندما يتمّ تثبيت حجم دين الدولة على مصرف لبنان ضمن قانون الفجوة، برقم يقلّ عن حجم الناتج المحلي الإجمالي، سيكون هامش التفاوض مع حملة اليوروبوندز تلقائيًا أصغر!

كما عبرّ عن مخاوف مرتبطة بما سمي بالـ ABS اي asset backed securities التي يمكن أن تؤول لمؤسسات مالية كبيرة وتشتريها من المودعين بنسبة 20 و 25 % أو أقلّ، وتقوم بالاحتفاظ بها لمدّة 20 عامًا وتحصّل قيمتها أيضًا بنسبة 100 %، ليكون المودع خسر في الحالتين لصالح المستثمرين بتلك السندات وبسندات اليوروبوندز.

وختم الحاج مؤكدًا ضرورة تثبيت حجم دين الدولة لصالح مصرف لبنان وتحديد نسبة مساهمتها السنوية في استرداد الودائع، معتبرًا أن تملّص الدولة من مسؤولية ديونها تجاه مصرف لبنان يعتبر تملّصًا من مسؤوليتها في ردّ الودائع وإلقاء العبء كاملًا على مصرف لبنان.

 

مسؤولية الدولة

بدوره، اعتبر النائب آلان عون أن هناك ضرورة على الدولة للاعتراف بديونها لصالح مصرف لبنان “وإلا لا يمكن تحسين شروط المودعين من دون إشراك الدولة في مهمّة استرداد الودائع أو إعادة تكوينها، من خلال تأمين السيولة اللازمة لضمان استردادها”.

وأشار عون لـ “نداء الوطن” إلى أن عدم اعتراف الدولة بدينها لمصرف لبنان البالغ 16,5 مليار دولار على سبيل المثال، يعني تلقائيًا أنها تلقي عبء تأمين 16,5 مليار دولار من قيمة السندات التي ستمنحها للمودعين، على مصرف لبنان، علمًا أن لا قدرة له على ذلك”.

وفيما أوضح أن تحديد وتثبيت حجم دين الدولة لصالح مصرف لبنان في قانون الفجوة مرتبط بشكل مباشر بوضع المودعين، قال إن إمكانية تطبيق القانون كما ما هو عليه اليوم “على علّاته”، يتطلّب أن تساهم الدولة بجزء من السيولة المطلوبة، “وإلا فإن ذلك يعني أن مصرف لبنان يجب أن يؤمّن 60 مليار دولار وحده!”.

وقال إن المطلوب من الدولة الاعتراف وتحمّل مسؤولية ديونها وليس التعويض على المودعين أو المساهمة في التعويض، مشددًا على أن تحمّل الدولة مسؤوليتها هو جزء أساسي من القدرة على الإيفاء بأي حلّ قد يشمله قانون الفجوة تجاه المودعين.

وأوضح عون أن تأمين استدامة الدين العام من خلال تقليص حجم الدين العام وعدم اعتراف الدولة بديونها لصالح مصرف لبنان، هو تفكير أو نهج غير منطقي وغير واقعي، لأنه لا يمكن قياس نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الحالي بل يجب مقاربة الأرقام وفقًا لرؤية اقتصادية شاملة مبنيّة على خطوات عملية لزيادة حجم الناتج المحلي على المدى المتوسط والطويل وبالتالي الحفاظ على استدامة الدين تماشيًا مع الزيادة المرتقبة في حجم الناتج ونسبة الدين التي ستتقلّص تلقائيًا عند ارتفاع حجم الناتج المحلي. مشددًا على أن دين الدولة الذي يسبب الاعتراف به حاليًا، خرقًا لنسبة الدين إلى الناتج المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي، لن يشكّل على المدى المتوسط بعد زيادة حجم الاقتصاد، النسبة نفسها المرتفعة من أصل الناتج.

 

الدولة بدّدت الأموال

من جهته، شدّد نائب رئيس الهيئات الاقتصادية نبيل فهد على ضرورة التدقيق في الحسابات لكي تتضح الأرقام ويحدّد حجم دين الدولة لصالح مصرف لبنان وبالتالي تعديل قانون الفجوة المالية بطريقة تعكس الواقع وتثبت مسؤولية الدولة. معتبرًا أنه من واجب الدولة سداد ديونها لمصرف لبنان بعد ثباتها، بقيمتها الحقيقية بالدولار وليس على أسعار صرف مختلفة “وإلا كيف سيستردّ المودعون أموالهم من مصرف لبنان والمصارف التي حمّلها قانون الفجوة المسؤولية في ذلك؟”.

واعتبر فهد أن الحديث عن اتباع المعايير العالمية في وضع الحلول، لا يتماشى مع الأزمة في لبنان لأن الأخيرة مختلفة عن كافة الأزمات العالمية، مشيرًا إلى أن موقف الهيئات الاقتصادية من قانون الفجوة يعتبر أن الدولة لم تتحمّل المسؤولية المباشرة كونها هي الجهة التي بددت الأموال وأهدرتها، بل تحمّلتها عن طريق مصرف لبنان والمادة 113 من قانون النقد والتسليف.

مؤكدًا أن الهيئات تطالب بتعديل قانون الفجوة بطريقة تحدد مسؤولية الدولة لأن هذا هو العامل الذي يساهم في استرداد الثقة، “حيث أن الدولة التي بددت الأموال ولا تريد الاعتراف بمسؤوليتها وتحمّلها، لا يمكنها بالتالي، استعادة الثقة باقتصادها وبقوانينها المالية. وأي حلول تقنية لأزمة الودائع بغياب الثقة المتمثلة بإقرار الدولة بمسؤولتها، لن تؤدي في نهاية المطاف إلى النتيجة المرجوّة”.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى