“هيئة تحرير الشام” واستعصاء الحكم في سوريا: قراءة في فشل كل مسارات التكيّف
بقلم: د. هشام الأعور

على امتداد أكثر من عام من ترسّخ حكم هيئة تحرير الشام في سوريا، تبلورت أمام السوريين سلسلة من النماذج السياسية والاجتماعية في كيفية التعامل مع السلطة الجديدة. هذه النماذج لم تكن نظرية، بل مسارات فعلية انتهجتها مكوّنات مختلفة، كلٌّ وفق حساباته ومخاوفه وتقديراته للمرحلة. غير أن النتيجة النهائية جاءت واحدة تقريبًا: فشل شامل لكل محاولات التكيّف أو التفاهم أو الاحتواء.
أولًا: نموذج العلويين – الاستسلام بلا حماية
اختار العلويون، في لحظة شديدة الحساسية، مسار تفادي الصدام. تم تسليم السلاح، وتقديم إشارات انخراط سلبي في الواقع الجديد، ثم لاحقًا اللجوء إلى أدوات احتجاج سلمية من مظاهرات وإضرابات عقب المجازر التي طالتهم.
غير أن هذا المسار لم ينتج أي ضمانة. على العكس، تحوّل الاستسلام إلى فراغ أمني واجتماعي جرى استغلاله عبر الاغتيالات اليومية، والخطف، والفصل من الوظائف العامة، والإقصاء الممنهج، مرفقًا بحملات تحريض وكراهية ووصم جماعي. أثبتت التجربة أن التخلي عن أدوات القوة لم يقابله أي التزام بالحماية أو المواطنة.
ثانيًا: نموذج الدروز – الشراكة ثم الاستهداف
شارك الدروز في إسقاط نظام الأسد، ورفضوا تسليم سلاحهم، ورفعوا مطالب سياسية واضحة: علمانية الدولة، صلاحيات أوسع لإدارة شؤونهم المحلية، واحترام خصوصيتهم. وبعد المجازر، انتقل الخطاب إلى المطالبة بحق تقرير المصير.
لكن السلطة ردّت بمنطق القوة الخشنة، عبر جيشها النظامي وأذرعها الرديفة من العشائر، في ما بدا غزوة عقابية لا علاقة لها بالخلاف السياسي بقدر ما تعبّر عن رفض أي نموذج استقلالي أو تفاوضي. هنا سقط وهم أن “المشاركة في الثورة” تشكّل رصيدًا سياسيًا قابلًا للصرف.
ثالثًا: نموذج الكُرد – الاتفاقيات التي لا تُحترم
سعت القوى الكردية، ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية، إلى مقاربة براغماتية: تفاهمات واتفاقيات مع حكومة هيئة تحرير الشام، قائمة على مفاهيم المواطنة، والعلمانية، واللامركزية، والحقوق الثقافية.
غير أن هذه الاتفاقيات بقيت حبرًا على ورق. لم تلتزم بها السلطة، واستمر التعامل مع الكرد كخصوم، بل كأعداء، مع خطاب تحريضي متصاعد ضدهم. هذا الفشل كشف أن المشكلة ليست في مضمون المطالب، بل في بنية السلطة ذاتها التي لا تعترف بالشراكة ولا بالتعدد.
رابعًا: نموذج معارضة السنّة السابقة – شرعنة بلا مقابل
قبلت شخصيات وناشطون من المعارضة السنّية السابقة بحكم هيئة تحرير الشام، واختاروا خطاب “النقد البنّاء” تحت سقف الوطن، وقدّموا الغطاء الثوري والشرعي للسلطة الجديدة.
لكن ما إن استُكملت مهمة الشرعنة، حتى جرى تهميشهم وإقصاؤهم. وحدهم من تحوّلوا من ناشطين ثوريين إلى فاشية متطرفة نالوا مواقع شكلية. في المقابل، تجاوزت الحكومة كل الخطوط الحمراء لجمهور المعارضة السابقة: تطبيع مع موسكو، دمج شبيحة سابقين في مؤسساتها، تعطيل العدالة الانتقالية، منع العمل السياسي، وحظر تأسيس الأحزاب.
الخلاصة: سلطة لا تقبل التكيّف
ما تقدّم لا يُطرح بهدف تثبيط أي مسعى لمقاومة حكم هيئة تحرير الشام، بل لتوثيق حقيقة سياسية صارخة: كل ما جُرّب معها فشل.
الاستسلام لم يحمِ، والمشاركة لم تشفع، والتفاهمات لم تُحترم، والشرعنة لم تُكافأ. هذا يشير إلى أن البلاد أمام استعصاء سياسي بنيوي، سببه سلطة قائمة على الإقصاء، واحتكار القرار، ورفض التعدد، لا على إدارة التناقضات أو بناء عقد اجتماعي.
إن المشكلة لم تعد في خيارات المكوّنات السورية، بل في طبيعة الحكم ذاته، الذي يرفض أي شراكة حقيقية، ويحوّل كل مسار تفاوضي إلى أداة إخضاع. وفي ظل هذا الواقع، يصبح البحث عن بدائل سياسية شاملة ضرورة، لا ترفًا، لأن استمرار هذا النموذج يعني إعادة إنتاج المأساة بصيغ جديدة.



