
في سائر المدن الكبرى، تمتلك البلديات متنزهات وأحراجاً عامة تديرها كمرافق حيوية للصالح العام. إلا أنّ الواقع في بيروت مختلف، إذ يبدو أن هناك من يخطط لخنق المتنفس الوحيد للعاصمة، حرج بيروت، الذي تقلصت مساحته إلى نحو ثلاثمئة ألف متر مربع بعد توزيع أجزاء منه على بعض الطوائف.
عملياً، يخضع الحرج لإدارة البلدية تحت سلطة محافظ بيروت، وتتولى دائرة الحدائق الإشراف المباشر عليه. إلا أن هذه الدائرة فشلت في أداء مهماتها، ليس بسبب الإهمال وحده، بل نتيجة ما يُوصف بـ«مصالح شخصية»، بحسب بعض أعضاء وموظفي البلدية. ويشير هؤلاء إلى أن الدائرة «دأبت على طلب سلف مالية بمئات ملايين الليرات تحت مسميات رش مواد مانعة للقوارض وريّ الحرج وتعشيبه، من دون اتباع الإجراءات القانونية، ومع حصر التعهدات بشركة واحدة».
والمفارقة أن صرف السلف المالية على الري متواصل، رغم وجود آبار داخل الحرج المعروف بغناه بالمياه الجوفية وفي محيطه. ويبرّر المعنيون الأمر بتعطّل الطلمبات، ما يدفع إلى اللجوء إلى «الحل الأسرع» عبر شراء المياه من المتعهد نفسه، بكلفة تفوق بأضعاف كلفة تصليح الطلمبات، وبشكل مستمر، وسط سبات المسؤولين المعنيين. علمًا أنّ ملف السلف المالية بات اليوم قيد التحقيق لدى المحامي العام المالي القاضي فارس بو نصّار.
رفض سلام تحمّل مسؤولية تلزيم الحرج لشركة خاصة
غير أن الأخطر في «إنجازات» المجلس البلدي الحالي، تمثّل في اتفاق رئيس المجلس إبراهيم زيدان (المحسوب على النائب فؤاد مخزومي)، ونائب الرئيس راغب حداد (المحسوب على حزب القوات اللبنانية)، وعضو المجلس حسين البطل (المحسوب على الوزير السابق محمد شقير)، مع طارق عيتاني، ابن شقيقة شقير، على تلزيم إدارة حرج بيروت لشركة يملكها عيتاني مقابل مبلغ مالي يُدفع من صندوق البلدية، من دون توضيح طبيعة الأعمال التي ستقوم بها داخل الحرج. فيما يشير بعض الأعضاء إلى أن الهدف من المشروع قد لا يقتصر على إدارة الحرج، بل يهدف إلى تنفيذ مشروع سياحي داخله.
وقد بادر الثلاثة، من دون إشراك بقية أعضاء المجلس البلدي، بزيارة رئيس الحكومة نواف سلام، برفقة المتعهد، لتسويق الفكرة والحصول على موافقته، إلا أنّ سلام رفض تحمّل مسؤولية كهذه، رامياً الكرة في ملعب المجلس البلدي لاتخاذ القرار المُناسب.
وفيما لم يتمكن الثلاثي من تمرير الملف من دون علم زملائهم، نفى البطل في بيانٍ «وجود أي صفقات أو تلزيمات مشبوهة أو صفقات بالتراضي كما أُشيع زوراً، وأن لا التفاف على دور المجلس البلدي الذي يبقى المرجع الحصري وصاحب الصلاحية الوحيدة في اتخاذ أي قرار يتعلق بحرج بيروت».
ويشدد أعضاء في المجلس على عدم قانونية إسناد إدارة الحرج إلى شركة تجارية، لافتين إلى أن أبناء العاصمة يستحقون «متنفساً نظيفاً وآمناً، تديره دائرة بلدية نظيفة وشفافة»، مع تأمين الحراسة اللازمة من فوج الحرس البلدي، الذي يضم أكثر من 500 عنصر، بعضهم لا يحضر إلى عمله، فيما يُوزَّع البعض الآخر على مرجعيات مختلفة؟



