سياسة

أيام حاسمة بين باريس وبيروت: هل يتدرّج الانهيار؟ 

يُفترض أن يكون الموفد الرئاسي الفرنسي دوريل قدّم تقريره إلى الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن زيارته إلى بيروت. لن يحوي التقرير جديداً نوعياً حول أي مستجدّات حكومية في لبنان. لم يصل دوريل إلى نتيجة واضحة، ولم يلمس أنّ تغييراً حصل لتحريك الجمود الحكومي: كل الشخصيات التي زارها دوريل أبدت تعاونها واستعدادها لتسهيل مسار تأليف الحكومة، لكن لم يقتنع الموفد الفرنسي بما قالته شخصيات سياسية له بشأن التسهيل: من يعرقل التأليف في هذه الحال؟!

قيل لدوريل إنّ الحل يبدأ بمصالحة بين الرئيس المكلّف تأليف الحكومة سعد الحريري ورئيس التيار “الوطني الحر” النائب جبران باسيل. بالفعل، طلب دوريل من رئيس المجلس النيابي نبيه بري خلال لقائه في عين التينة أن يساعده في ترتيب أمر العلاقة بين الحريري وباسيل، من خلال الضغط عليهما. لكن الموفد الفرنسي حاول بنفسه تقريب المسافات بين حليفين سابقين متخاصمين حالياً، لذا جاء الاتصال الهاتفي بين “الشيخ سعد” وباسيل، من دون أن يحمل معه نتائج عملية لترطيب العلاقة ولا مؤشرات توحي باتفاق محتمل بشأن الحكومة.

أساساً، لم يتفق رئيسا الجمهورية ميشال عون والمكلّف سعد الحريري حول طبيعة التركيبة الحكومية، خصوصاً بشأن حقائب الداخلية والاتصالات والأشغال العامة والنقل. وإذا كان باسيل ينأى بنفسه عمّا يحصل في هذا الإطار، فإن اللّبنانيين والفرنسيين يعلمون أنّ التباعد بين الحريري ورئيس “الوطني الحر” هو ما يمنع تأليفاً سريعاً وسلساً للحكومة العتيدة. لم يُخفِ عون إشارته لكل من الحريري والموفد الفرنسي بوجوب التواصل مع باسيل: ما هو المانع؟

بجميع الأحوال، ستكون الأيام المقبلة عامرة باتصالات مكثّفة بين بيروت وباريس، بعد تقرير دوريل، وعلى ضوء المعطيات ستتّخذ اللّجنة الفرنسية برئاسة ماكرون قرار زيارته من عدمها إلى لبنان الشهر المقبل، ورسم مسار العلاقة مع لبنان. من شأن ذاك القرار أن يُحدّد معالم المرحلة المقبلة: يُمكن لباريس تجميد خطواتها التي كانت اتخذتها لمؤازرة بيروت عبر مؤتمرات مالية، تبدأ آخر الشهر الجاري، أو تنفيذ خطة تحويل الأموال -لزوم إعادة بناء ما خلّفه انفجار مرفأ بيروت- إلى جمعيات خاصة. ممّا يعني أنّ الفرنسيين سيقرّرون التعاون مع جمعيات ومنظّمات غير حكومية في لبنان. فإذا تمّ ذلك، سيزداد وضع الخزينة المالية سوءاً، في ظل فقدان الثقة الداخلية والخارجية بالدولة اللّبنانية. هل استفسر أحد عن انهيار أسعار الأسهم البنكية إلى حدود غير مسبوقة؟ فإذا جفّ الدعم المالي، هل ستبقى المصارف تزوّد مودعيها بذات الكميات من العملة اللّبنانية؟ يبدو أنّ الوضع المالي المتأزّم سيفرض قرارات مصرفية في أوّل العام الجديد، نتيجة الحديث عن انهيار وشيك.

كل ذلك يمكن الحدّ منه، ومنع الانهيار عبر تأليف حكومة جديدة تعيد الثقة المحلية والدّولية بلبنان، أو على الأقل توقف الانهيار الحاصل، كمقدّمة لفرض إصلاحات جوهرية.

هناك حديث عن قرارات خارجية تمنع تأليف حكومة حالياً، لأنّ المطلوب هو الانهيار اللّبناني في ظلّ عقوبات تعمّق الأزمة القائمة، كي يستسلم البلد لخيارات سياسية، أبرزها ما يتعلق بترسيم الحدود الجنوبية. فلننتظر الأيام المقبلة في اتصالات باريسية مع بيروت.

 

عباس ضاهر

اظهر المزيد

عباس ضاهر

كاتب وصحافي لبناني. باحث متخصص بإدارة الأزمات والخطاب السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: