اقتصاد

العملة الرقمية تستكمل نهب دولارات المودعين

تقوم الماكينة الإعلامية لمافيا المصارف في الفترة الأخيرة بالتسويق لفكرة العملة الرقمية كأحد أهم مخارج الأزمة النقدية الحالية تحت عناوين برّاقة: “التكنولوجيا المالية والاقتصاد الرقمي” وغيرها من العناوين. وإن كان من الناحية النظرية المجردة فإنّه كلام حق، وهو ضروري لدخول في الاقتصاد الرقمي، ولكن هل الظروف الحالية تسمح بذلك؟ وهل توفّرت كل مقوّمات والبنى التحتية اللازمة لهذا الانتقال؟ من هنا سنستعرض حقيقة هذه العملة وخصائصها، ونغوص في الأهداف الحقيقة من وراء إصدارها.

العملة الرقمية: تعريفها وخصائصها

هي عبارة عن برنامج مكتوب بلغة برمجة معينة، وباستخدام تقنيات تشفير يسمح بنقل كمية معينة من الأموال على شبكات الحاسوب، ولا سيما شبكة الإنترنت. وهي نوع من العملات المتاحة فقط على شكل رقمي، وليس لها وجود مادي مثل الأوراق النقدية والنقود المعدنية، وتسمح بالمعاملات الفورية ونقل الملكية بلا حدود. وهي تمتلك بعض خصائص النقود التقليدية كمقياس للقيمة، ووسيط في المبادلات وأداة للادخار في بعض البيئات، ولكنها لا تملك جميع خصائص العملة الحقيقية.

وقد عرّفتها وزارة الخزانة الأمريكية في عام 2013، على أنّها “وسيلة للتبادل تعمل كعملة في بعض البيئات، ولكنها لا تملك جميع خصائص العملة الحقيقية”.  ويعتبر الدفع بواسطتها أسهل من استعمال بطاقات الائتمان العادية، ودون الحاجة لوجود حساب مصرفي لحاملها، وتتم مدفوعاتها من خلال برامج أو تطبيقات من خلال الحاسوب الشخصي أو الهاتف الذكي، عن طريق إدخال عنوان المستلم والمبلغ المدفوع وإرساله. والهدف الظاهري لهذا النوع من العملات هو نقل الأموال، وتحويلها بسرعة من أي بلد لآخر دون حدود أو معوقات، ودون أي حدّ للتحويل اليومي؛ ولكن قد يكون هناك أهداف أخرى مرتبطة بالهروب من الرقابة القانونية والتهرب الضريبي وعمليات تبييض الاموال غير الشرعية.

موقع “ليبيرتي ريسرف” الرائد

أول موقع الكتروني أنشأ عملة رقمية، وتم تدوالها على شبكة الإنترنت هو موقع “ليبيرتي ريسرف” في عام 2006، بحيث تم من خلاله تحويل الدولار واليورو إلى عملة رقمية، وسُمح بتبادلها بحرية مع بعضها البعض مع اقتطاع رسم 1٪، إلاّ أنّ الحكومة الأمريكية أغلقته بعدما شكتّ في أمره على أنّه أداة لتبييض الأموال.

هذا هو الأصل في مفهوم العملة الرقمية ومثالها الشهير “البيتكوين”، ولكن هل ما يطرحه مصرف لبنان يدخل ضمن هذا الإطار؟ أم هو تكريس مفهوم المعاملات المالية والمصرفية جميعها دون استثناء، بطريقة رقمية مع صبغها من قبل مصرف لبنان تحت عنوان العملة الرقمية لإعطاء هذه العمليات الطابع المالي الحديث.

استكمال نهب دولارات المودعين

في ظل الأزمة الخانقة وشحّ الدولارات المتوفرة في القطاع المصرفي، وبطريقة ملتوية توهم المودعين بالحفاظ على أموالهم المودعين ومدخراتهم، يسعى مصرف لبنان لإصدار عملة رقمية والترويج لها على أنّها إحدى أهم الحلول المطروحة لمواجهة الأزمة الحالية، وذلك عبر إيهام المودعين في قدرتهم على حصولهم على ودائعهم بالدولار ولكن على شكل عملة رقمية؛ وذلك لعدم توفّر الدولار النقدي في حساباتهم.

فمثلاً إذا كان لدى أحدهم مبلغ 1000 دولار في حسابه في المصرف، وتم تحويلها إلى عملة رقمية، فإنّه يستطيع شراء ما يشاء من سلع وخدمات داخل لبنان فقط بقيمة 1000 دولار، والدفع عبر بطاقة على شاكلة الفيزا كارت أو ATM  أو عبر الحاسوب وحتى الهاتف المحمول، من خلال شبكة الإنترنت أو تطبيق خاص بها؛ عندها تُسجّل في حساب البائع دون إمكانية تحويلها إلى Cash Money. وبذلك يستطيع المودع الإستفادة من  أمواله المودعة في المصرف عبر استعمالها في شراء السلع والخدمات، ولكن فقط داخل الحدود اللبنانية. إذ أنّه لا يمكن التدوال بهذه النقود الرقمية خارج الحدود اللبنانية، لأنّه لن يقبل أي طرف خارجي بها لغياب الثقة بها وبالاقتصاد اللبناني وبماليته العامة؛

وبالتالي لا تصلح لعمليات الإستيراد من الخارج ولن تساعد في حلّ مشكلة تمويل استيراد المواد الثلاث الضرورية، فيما تبقى الحاجة إلى “الفريش ماني” أمراً ملحاً، فهي لا تشكل إجراءً صحيحاً لمعالجة الأزمة، حيث أنّ الدافع لها هو عدم قدرة القطاع المصرفي على ردّ ودائع اللبنانيين بالدولار، ولن تساعد في استقطاب Fresh Dollar كما يهدف مصرف لبنان، وخاصة المخبأة في المنازل وذلك لغياب الثقة في كل منظومة السلطة ومنها النقدية، وتالياً هي استكمال لعملية نهب ودائع الناس وانعدام القدرة على ردّها إليهم في ظل الظروف الحالية.

أداة تبييض للأموال

قد يتم استخدام العملة الورقية في عمليات تبييض الأموال مما يتيح استخدامها بشكل شرعي وقانوني في هذا المجال؛ وبالتالي تصبح مخرجاً قانونياً مهماً لشبكات الفساد في لبنان، وأحد قنوات تبييض أموالهم باعتبارها أداة قانونية بامتياز.

وتكمن الإشكالية هنا، هل يتضمن قانون النقد والتسليف تشريعات تنظم عمل ودور هذه العملة وحدودها القانونية؟ وهل ستمتلك قوة الإبراء القانونية التي حدّدتها المادة السابعة من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على أن:”للأوراق النقدية الصادرة بالعملة اللبنانية قوة إبرائية غير محدودة في الأراضي اللبنانية”، بحيث لا يمكن لأيّ لبناني رفضها وعدم التعامل بها بالرغم من أنها ليست أوراقاً نقدية؟ وأين عنصر الثقة بها طالما لا يمكن تحويلها إلى نقود سائلة واقتصارها على نقل حسابات رقمية؟    

  د.أيمن عمر

اظهر المزيد

أيمن عمر

كاتب وباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية محاضر في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية له العديد من الأبحاث والمؤلفا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: