حقوق

قانون “الحد من التعذيب” إنجاز تاريخي و”الخط العسكري” للقاضية عون يتعثّر

لهذه الأسباب لم يطعن رئيس الجمهورية بقانون "الحدّ من التعذيب"

في 5/11/2020 وبعد إنقضاء 15 يوماً على نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 22/10/2020 – أي إنقضاء مهلة الطعن – دخل قانون “الحدّ من التعذيب” والقاضي بتعديل المادة ٤٧ من قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي كان قد تقدّم به نائبا تكتل “الجمهورية القوية” جورج عقيص وزياد الحواط حيّز التنفيذ.

القانون الذي أُقِرّ في الجلسة التشريعية بتاريخ 30 أيلول 2020 كان أشبع درساً وتمحيصاً وأدخلت عليه تعديلات خلال إجتماعات عدة للجنة الإدارة والعدل برئاسة النائب جورج عدوان التي شارك فيها وزيرة العدل في حكومة تصريف الاعمال ماري كلود نجم ونقيبا المحامين في بيروت وطرابلس ملحم خلف ومحمد المراد.

يعتبر هذا التعديل إنجازاً على صعيد حقوق الانسان وتحديداً صون حقوق الموقوفين وكرامتهم بما يتلاءم مع شرعة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية وقوانين الدول المتحضّرة. إنّه يشكّل ضربة قاصمة للنهج “البوليسي” الذي تكرس في زمن النظام الأمني وكل ما رافقه من ضغوط وممارسات وتعذيب وحالات وفاة جراء ذلك،  وثمة تقارير لمنظمات أممية ودولية حقوقية أو تعنى بحقوق الانسان ومناهضة التعذيب وثّقت هذه الممارسات عبر السنين ونددت بها.

أبرز ما تضمنه التعديل من حقوق للمشتبه به

التعديل الذي هدف الى تعزيز حق الدفاع للمشتبه به ومنع كل وسائل الترهيب والتعذيب خلال التحقيق معه، منحه حقوقاً عدة أبرزها:

–       الحق في حضور محام عنه أثناء التحقيق الأولي لدى الضابطة العدلية.

–       الحق في تعيين محام مجاناً إذا كان متعسراً مادياً.

–       الحق في الحصول على معاينة طبية مجانية، نفسية وجسدية.

–       الحق في الحصول على ترجمة إن إقتضى الأمر.

–       الحق في معرفة الشبهات القائمة ضده وعلى ما إستندت.

–       الحق في تسجيل إجراءات التحقيق معه بالصوت والصورة، ما يعني الحد من التعدّي عليه أثناء الإستجواب.

اللافت في القانون المعدل – وما يمنحه أهمية كبرى – أنه يتضمّن ضمانات جدية لحُسن تطبيقه، أبرزها إمكان إبطال التحقيقات الأوليّة في حال شهدت ثغرات. كما أنه جازم لناحية ملاحقة أي مخالف له جزائياً وصولاً الى عقوبة الحبس ولو كان من رؤساء الاجهزة الامنية وقضاة النيابة العامة، ما ينزع عنهم “حصانة” وإن معنوية في غير مكانها.

القاضية عون والعريضة و”فخ” التوقيع!

ملاحقة القضاة التي نصّ عليها التعديل خلقت إمتعاضاً في أوساط الجسم القضائي حيث إنقسمت الآراء بين من يعتبر وجوب إبطال هذا القانون المعدل وبين من يقترح إدخال تعديلات عليه تأخذ بالاعتبار أصول ملاحقة القضاة وتضع ضوابط لمنع أي تهويل أو إبتزاز قد يتعرضوا له، لأن التعديل الذي أقرّ إنجاز تاريخي يجب البناء عليه والعمل على توضيح بعض الإلتباس الذي تضمّنه لا نسفه وبالتالي فتح الباب مجدداً على المماطلة والتهرب من إقراره.

في هذا الاطار، أشار مصدر حقوقي مطلع عبر “أحوال” الى أن “المدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون تعتبر نفسها بأنها تحظى بـ”خط عسكري” للوصول الى رئيس الجمهورية، ومن هذا المنطلق كانت أقدمت سابقاً على وضع إستقالتها بين يدي رئيس الجمهورية متخطية كل الأصول المؤسساتية المرتبطة بهكذا خطوة. هذه المرة، أبلغت عون القضاة أنها تواصلت مع رئيس الجمهورية من أجل أن يطعن بالقانون وبأنه طلب منها الحصول على توقيع مئة قاض للسير بذلك، مع العلم أن رئيس الجمهورية هو حامي الدستور ويستطيع الطعن بأي قانون من دون الحاجة لأي توقيع، فما الدافع الكامن وراء طلب هذا العدد من التواقيع؟!”.

يتابع المصدر: “إن لتمنّع الرئيس عون عن الطعن رغم جمع القاضية عون التواقيع اللازمة تفسيرين لا ثالث لهما، إما ان الرئيس لم يطلب منها جمع التواقيع كي يطعن بالقانون كما تدّعي وهي من إجتهدت في هذه الخطوة أو أن الرئيس تراجع عن وعده، وفي الحالتين الامر سيّئ. وقد خلق هذا التمنّع بلبلة في أوساط الجسم القضائي خصوصاً القضاة الذين وعدتهم القاضية عون بأن الطعن محسوم متى جمعت التواقيع وبأن الرئيس هو خشبة خلاص. فاعتبروا أن القاضية عون نصبت لهم فخاً، فهي سعت الى أن توحي بأن رئيس الجمهورية يحظى بثقتهم وبأنها تمون على قسم كبير من القضاة. كما جعلت عون من زملائها أداة لمحاولة الإطاحة بالقانون الإنجاز عبر الطعن به عوض البناء عليه وإدخال بعض التعديلات التي تصون القاضي من دون أن تجعله يتسلح بالحصانة “المعنوية” لتخطي القوانين”.

أضاف المصدر: “يتحمّل القضاة الموقّعون مسؤولية، من جهة جراء توقيعهم على الأمر – ولو عن حسن نية – فربما لم يقوموا بدراسة كافية ومعمّقة للخطوة، ومن جهة أخرى لمخالفتهم الإطار المؤسساتي عبر التوجه مباشرة الى رئيس الجمهورية بحيث تخطوا بمعية القاضية عون مجلس القضاء الأعلى وثمة من يقول إنه ر نية لهم بذلك إذ إن عون أوحت اليهم أن المجلس مطلع على خطوتها ولا يعارضها”.

رئيس الجمهورية تحاشى تكرار غلطة الطعن بقانون آلية التوظيف

فسّر مصدر سياسي خطوة الرئيس عون بعدم الطعن قائلاً: “رئيس الجمهورية لا يريد تكرار غلطة الطعن بقانون آلية التوظيف في الفئة الاولى الذي شكل نقطة سلبية في مسيرة العهد وخلق نقمة شعبية بوجهه وإمتعاض لدى الاوسط الدولية المراقبة عبر إعتبار هذا الطعن بمثابة حماية لنهج الزبائنية والتبعية القائم. الأمر الذي جعل “القوات اللبنانية” التي تقدمت بإقتراح القانون يومها تربح جولة على “التيار الوطني الحر” الذي وضِع جراء طعن رئيس الجمهورية في موقع الدفاع وسار بعكس التيار الشعبي. ولا يريد الرئيس ان تربح “القوات” التي قدمت أيضاً إقتراح قانون تعديل المادة 47 جولة جديدة”.

من المهم العمل تشريعياً في هذا الوقت الضائع لتحضير الأطر اللازمة للسير قدماً بلبنان نحو المزيد من الديمقراطية وصون حقوق الانسان لا إنتظار الفرج. صحيح أن لا أموال لدى لبنان اليوم لتأمين التجهيزات من كاميرات وغيرها اليوم، وبعضهم يشكك بجدوى القانون إذا لم تتوفر البنى التحتية اللازمة له. لكن مصادر متابعة كشفت لـ”أحوال” أن “بعض المؤسسات الدولية بدأت التواصل مع الجهات اللبنانية، عارضة تمويل البنى التحتية التقنية من كاميرات وغيرها التي يحتاجها تطبيق القانون وقد إستحوز إقرار التعديل على إشادات من قبل جهة ومنظمات دولية عدة”.

تعديل المادة 47 بارقة أمل في هذا الزمن القاتم الذي يعيشه اللبنانيون ونقلة نوعية تضع لبنان بمصاف الدول الحضارية وقد فشلت محاولات بعضهم الاطاحة به قبل أن يبصر النور. إنه إنجاز على صعيد تعزيز حقوق المشتبه به في بلد مشهود له من قبل المنظمات الأممية والدولية كمنظمة العفو الدولية بتجاوز الشرع الدولية وإنتهاك حقوق الانسان في التحقيقات والاعتقالات والسجن.

جورج العاقوري

صحافي ومعّد برامج سياسية ونشرات اخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى