انتخابات

الرئيس بري وحيداً

إعلانات

كثافة الأحداث اليومية تحول دون إعطاء أي حدث الوقت الضروريّ اللازم للتمعّن فيه وتكوين صورة كافية عنه، حتى ولو كان انتخابات نيابية.

لكن العودة إلى نتائج انتخابات 2018 ضروريّ هذه الأيام. ففي نهاية ذلك اليوم الانتخابي الشهير حصل حزب الله على 15 نائباً (12 حزبيين و 3 حلفاء)، فيما حصلت حركة أمل على 16 نائباً (10 حزبيين و 6 حلفاء). لكن التدقيق في الأرقام يبيّن أنّ الأصوات التفضيلية لثلثي المقترعين من أبناء الطائفة الشيعية ذهبت لمرشحي حزب الله، مقابل ثلثاً للحركة؛ والتجوال على الدوائر يبيّن أنّ مرشح حزب الله في بيروت أمين شري حصل على 22961 صوتاً مقابل 7834 صوت تفضيلي لمرشّح حركة أمل في بيروت محمد خواجه. وفي بعبدا، حصل مرشّح حزب الله علي عمار على 13693 صوتاً مقابل 6348 صوت لمرشّح حركة أمل فادي علامة. أما في بعلبك – الهرمل فقد وزّع حزب الله الأصوات بالتساوي على غالبية مرشحيه ليحصل كل منهم على 17 ألف صوتاً تقريباً، حالهم في ذلك من حال مرشّح حركة أمل غازي زعيتر، فيما حلّق اللواء جميل السيد بعيداً عنهم جميعاً بـ 33223 صوتاً.

ومقابل تفوّق الحركة الواضح في الزهراني _صور، ذهب مرشحو الحزب بعيداً في تفوّقهم في الأصوات التفضيلية في دائرة النبطية – بنت جبيل – مرجعيون وحاصبيا حيث حصل رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد على 43797 صوتاً، مقابل 20504 صوتاً للقائد الأمليّ التاريخيّ النائب هاني قبيسي، وبدوره حصل النائب حسن فضل الله على 39722 صوتاً مقابل 16763 صوتاً لوزير المال السابق علي حسن خليل. أما نائب حزب الله علي فياض فحصل على 27460 صوتاً مقابل 9290 صوت لمرشّح حركة أمل النائب علي بزي. مع العلم أن قبيسي وحسن خليل ليسا مجرد شخصين عاديين في حركة أمل أو مجرد نائبين؛ إنّما هما من حجارة الزاوية الأساسيين جداً في الحركة، مع حضور سياسي وتنظيمي وخدماتي هائل.  وقد سُجلت هذه النتائج بالرغم من استنفار ماكينتي الحزب والحركة المشترك، جنباً إلى جنب بتنسيق تفصيليّ، لمنع التفاوت المماثل في توزيع الأصوات التفضيلية.

ثم أتت أحداث 17 تشرين بكل ما رافقها من توجيه باتجاه والدة رئيس حزب التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، إلا أنّ استعادة المشاهد المصوّرة من أول أسبوعين بهدوء اليوم سيبيّن أن الرئيس نبيه بري حلّ في المرتبة الثانية بعد باسيل، مع استهداف مباشر له ولزوجته في مناطق لم يكن أحد يتخيّل أن شتم الرئيس بري ممكناً – ولو بالهمس – فيها. في ظل تحفظ تلفزيونيّ هائل طبعاً؛ ورغم تحوّل المجلس النيابي إلى الوجهة الرئيسية للمتظاهرين لاحقاً، فإنّ الهجوم الشخصيّ على رئيس المجلس انحسر بشكل كبير، قبل أن يستعيد زخمه – نسبياً – في الأيام القليلة الماضية بعد موقف رئيس المجلس النيابي الأخير من حصانات المستدعين إلى التحقيق في انفجار المرفأ.

ثم أتت العقوبات الأميركية بتوجيهها رسالة سياسية مباشرة للرئيس نبيه بري عن طريق مستشاره النائب علي حسن خليل. وتزامناً، انتقل ملف التفاوض غير المباشر مع إسرائيل بقدرة قادر لأول مرة من قبضة الرئيس بري إلى قيادة الجيش، وهنا خسر الرئيس بري دوراً محوريا جداً على صعيد المنطقة لا الزواريب السياسية اللبنانية، دون أن يربح أحد في المقابل هذه الوظيفة المحورية.

ثم أتى الانهيار الاقتصادي بضرره الهائل على الموظفين في القطاع العام حيث مركز الثقل الخدماتي – الشعبوي الأساسي بالنسبة للرئيس بري. ومقابل تفريخ حزب الله لمؤسسات الطوارئ الاجتماعية، كانت الأزمة تقفل جميع حنفيات المجالس والهيئات والصناديق والتعاقد مع الموظفين التي تفيد الحركة ناسها بواسطتها، ولم يعد من قيمة تذكر سواء لموازنات الجمعيات أو لإيجارات المباني.

ثم أتت التطورات السياسية: الرئيس نبيه بري هو الرئيس نبيه بري؛ لم ولن يتغيّر يوماً أو يتلوّن أو يلين أو يرفع الرايات البيضاء أو ينتظر توجيه أمير، لكنه لم يكن يوماً وحيداً سواء في الداخل أو الخارج. عند التفكير بالرئيس نبيه بري لا بدّ من العودة بأرشيف الذاكرة إلى صور مؤتمر لوزان 1984 لرؤيته هناك متوسطاً الرئيس كميل شمعون والرئيس رشيد كرامي، ثم اتفاق 17 أيار بدوره المركزيّ في إسقاطه المدوي. ومع الوقت بنى ذلك المحامي المندفع شبكة أمان تحميه ويحميها، وتضمن له الاستقلالية المطلقة والاستمرارية بمعزل عن حزب الله: من الرئيس رفيق الحريري إلى الرئيس سعد الحريري مروراً بالرئيس فؤاد السنيورة إلى الرئيس نجيب ميقاتي، إلى النائب وليد جنبلاط، إلى قادة الجيش المتعاقبين، إلى البطريركية المارونية، إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، إلى رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي السابق النائب أسعد حردان. هذا في الداخل، وفي الخارج كان هناك سوريا ثم السعودية ثم فرنسا ثم الولايات المتحدة: علاقات فرضتها ضرورات تدوير الزوايا الكثيرة في النظام اللبناني، وحتمها دور الوسيط.

وإذ بالخلل يتسارع هنا دفعة واحدة: جنبلاط ينأى بنفسه عن حلفائه المفترضين ليحاول فتح صفحة جديدة مع سوريا، انطلاقاً من خلدة والجاهلية التي لا تكف عن مهاجمة رئيس المجلس. لن يكون جنبلاط يوماً ضد الرئيس بري، لكن شتّان ما بين جنبلاط راس الحربة وجنبلاط المنكفئ اليوم.

وبدوره، يتقوقع الحريري على نفسه منهزماً ومنكسراً نتيجة الفيتو السعودي رغم كل فيتامينات رئيس المجلس ومحاولاته الحثيثة لاستنهاضه. أما البطريرك الماروني فيغرّد بعيداً جداً. وحتى أسعد حردان ينشغل بنفسه وكيفية استعادة الشعبية في حزبه من الجيل الجديد الذي لا يخاف شيئاً أو  أحداً. أما قائد الجيش، فوجد في المعارض الأمليّ محمد عبيد ملهمه الشيعي الأول بعدما كان رئيس المجلس يحيط اسلافه بالمستشارين من كل حدب وصوب.

أما الخارج، فلا سوريا بعد الحرب هي نفسها في علاقاتها مع الأفرقاء اللبنانيين سوريا قبل الحرب، ولا السعودية 2021 هي نفسها السعوية التي كان الرئيس بري يعرفها وهي تعرفه وتحبه. أما فرنسا، فتستأنس برأي محمد عبيد أيضاً بدل محمود بري، حين تريد فهم مسألة خاصة بلبنان أو بحزب الله. وبدورها تستعيض الولايات المتحدة عن لغتها الدبلوماسية الموزونة جداً مع الرئيس بري بلغة العقوبات.

المقاربة بالمفرّق لا تفيد؛ فالتقييم الحقيقي يستوجب مشهداً متكاملاً: من نتائج انتخابات 2018 إلى 17 تشرين، والعمل الممنهج لإسقاط هيبة جميع الزعماء بمن فيهم الرئيس بري، إلى انهيار اقتصاديّ يطال جميع الناس وخصوصاً الموظفين في الإدارة العامة حيث تتمتع حركة أمل بالثقل الحقيقيّ، إلى انعدام القدرة الخدماتية لمؤسسات الدولة، إلى الإنكفاء الجنبلاطي والعجز الحريري، وكلّ التغيير الدولي في تصنيف العلاقة مع الرئيس بري.

ومع ذلك، فإنّ ما سبق لا يفترض أن يقود إلى خلاصات متسرّعة أو متهوّرة بشأن النفوذ السياسي أو الشعبي للرئيس بري. فبعد ثلاثة عشر عاماً من عودة الرئيس ميشال عون وإطلاق سراح سمير جعجع، حلّ ميشال المر ثانياً في المتن الشمالي من حيث الأصوات التفضيلية من بعد سامي الجميل، في انتخابات 2018 في المتن الشمالي. وهو عايش ثمانية عهود متناقضة إلى حد التنافر، وهو واحد من آلاف الأدلة على عدم إنتهاء صلاحية أحد في هذه البلاد، سواء كان سياسيّاً أو إعلامياً أو رجل أعمال؛ فكيف إذا كان الشخص الذي نتكلم عنه هو الرئيس نبيه بري. ولا بدّ بالتالي من القول إنّ وضع الرئيس بري أشبه بمن بنى حصناً حصيناً يسنده حزب الله من الخلف، وقد أحاط هذا الحصن، الذي يرفرف علم حركة أمل فوقه، بمجموعة متاريس تُستخدم للهجوم أو للدفاع. وإذا كان الحصن بخير، فإنّ هذه المتاريس ليست بخير، وهي من تتعرّض للخلخة اليوم. وهذا ما يدفع من يعرف الرئيس بري منذ القدم إلى القول إنّ الأخير لن يسمح بتساقط السهام على حصنه، إنّما سينتقل بسرعة من الدفاع إلى الهجوم؛ بكل الوسائل الممكنة.

 

غسان سعود

 

اظهر المزيد

غسان سعود

كاتب وصحافي لبناني.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: