سياسة

دفعة التحفيز للعسكريين… من أين للخزينة هذا؟

أموال بلا مال ترفع التضخم ولا تخدم حاجات العسكريين

بعد يوم على “صرخة” قائد الجيش جوزف عون، “الانقلابية” على الطبقة الحاكمة والتي وجّه فيها اتهامات إلى “حضرات المسؤولين”، عن الكارثة السياسية والمالية والاجتماعية، وشكا فيها أوضاع المؤسسة العسكرية. خرج نائب حركة أمل علي حسن خليل باقتراح إعطاء دفعة مالية بقيمة مليون ليرة شهريًا لكلّ ضباط وعناصر القوى العسكرية والأمنية لمدّة ستة أشهر.

الانهيار المتدرّج منذ أكثر من عام أصاب الجميع جيشًا وشعبًا ومؤسسات والأزمة المالية والاقتصادية تطال الجميع دون استثناء مع “استشراس” وحش الغلاء. والجميع ينتظر إمّا أن تستقيم الدولة عبر تشكيل حكومة وتطبيق الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وإمّا الانهيار التام الشامل والكامل.

وفي غمرة الصرخات اللّبنانية التي استحكمت بالشارع لأكثر من أسبوع، وانفضت بغمضة عين هذا اليوم.. برزت تغريدة النائب علي حسن خليل عبر “تويتر” يقول فيها: “تقدّمت اليوم باقتراح قانون معجّل مكرّر بإعطاء دفعة مالية بقيمة مليون ليرة لبنانية شهريًا لكلّ ضباط وعناصر القوى العسكرية والأمنية لمدّة ٦ أشهر نظرًا للظروف الاجتماعية والمالية ولأهمية الدور الاستثنائي الذي تقوم به”.

الاقتراح ذو المادة الوحيدة، ينص على إعطاء العسكريين العاملين من ضباط وعناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة وشرطة مجلس النواب والضابطة الجمركية العسكرية، دفعة غلاء المعيشة تُساوي مليون ليرة لبنانية شهريًا ولمدّة ستة أشهر من تاريخ صدور القانون.

وزير المال السابق الحاج علي، لحظ في المشروع، أن هذه الدفعة، المعطاة للعسكريين، تُحسم من قيمة أي زيادة تُعدّل سلسلة الرتب والرواتب خلال سريان هذا القانون، وإذا كانت قيمة الزيادة أقلّ من قيمة الدفعة المقرّرة في المادة الأولى من هذا القانون فلا يجوز تخفيض الدفعة، أمّا إذا كانت قيمة الزيادة أكثر منها فيستفيد المعنيون منها من الفارق فقط.

ولا تدخل هذه الدفعة في أساس الراتب ولا تعتبر جزءًا منه ولا تدخل في أي احتساب يُبنى على أساس الراتب ولا تخضع لأيّ ضريبة.

أيّ أنّ طبع 600 مليار ليرة لتوزيعها على القوى الأمنية والجيش هو عمليًا خلق خسائر أكبر وتحميلها للناس عبر انهيار أكبر لقدرتهم الشرائية. وحبّة المسكّن لستّة أشهر لن تُخفف من أعباء الكارثة المتضخمة يومًا بعد يوم. والسؤال ماذا سيفعل العسكريون بعد مضي مدّة المنحة؟ حتمًا سيصلون إلى وضع مزرٍ أكثر لا سيّما أن رفع الدعم آت، كأس مر سيتجرعه جميع اللّبنانيين.

العسكر نفسه لم يجد في الاقتراح ما يُثلج القلب والمطلوب أكبر من المشروع المعجّل المكررـ ومالم تُحل الأزمة المالية من جذورها فإنّ المليون المنحة قد لا يكفي لشراء حليب، بحسب جس النبض الأوّل لمطّلعين.

الخبير الاقتصادي روي بدارو، اعتبر أنّ مثل هذا المشروع، هو “فذلكة لشراء وقت على حساب الشعب، ومثل هذا القرار في ظل خزينة فارغة، سيضطر مصرف لبنان إلى طبع المزيد من العملة اللّبنانية الأمر الذي يولد تضخم والمزيد من التدهور في سعر الصرف”. ويقول بدارو “هذا ترقيع للأزمة وليس الطريق إلى حل جذري”.

الاقتراح مغازلة “لليرزة” و”نكوزة” لبعبدا!

اقتراح القانون سيكون مُلكًا للجلسة التشريعية العامة، التي تناقش مصادر تمويله بحضور الحكومة وإمّا أن تصادق عليه أو ترفضه أو تحيله إلى اللّجان لدراسته. لكن كم هي تكلفة الدعم الذي يقترحه خليل؟ ومن أين ستأتي الأموال لدفعها؟ لا جواب. ولكن هناك من قرأ في الاقتراح “مغازلة” معجّلة مكررة، باتجاه اليرزة وقيادة الجيش، و”نكوزة” معجلة مكرّرة لبعبدا ورئاسة الجمهورية.

ينفي عضو كتلة التنمية والتحرير” أي نيّة لاستهداف أحد أو “التزريك” لجهة أو طرف ويكتفي بالقول “دعم الجيش والأجهزة الأمنية كان ومازال أولوية، والحديث عن استهدافهم أوهام عند البعض المريض بتقمص أدوار البطولة”.

في عملية حسابية سريعة فإنّ مبلغ مليون ليرة الذي يساوي 100 دولار أميركي وفق سعر صرف 10 آلاف ليرة، إذا وزّعت على 70 ألف عسكري فهي تساوي على فترة 6 أشهر 42 مليون دولار.

من أين لك هذا؟ هذا هو السؤال، المؤسسة العسكرية تستحق أفضل ظروف العيش الكريم كما كل مواطن على الأراضي اللّبنانية. وكل اللبنانيين يحتاجون في ظل الأزمة إلى حزمة تحفيز.

وربّما من الأفضل العمل على تشكيل حكومة، وتنفيذ خطة اقتصادية تخفض سعر الدولار وتخفف الأعباء المالية والمعيشية عن كاهل اللّبنانيين عسكريين ومدنيين. أمّا الجهد للهروب من مسؤوليات الانهيار، واللّعب السياسي بلقمة عيش الجندي والمواطن فلا تُفيد أحدًا.

منذ أسبوع عُقد اجتماع في اليرزة برئاسة وزيرة الدفاع زينة عكر، وحضور ممثلي الأجهزة الأمنية للبحث في موازنات الأجهزة العسكرية والأمنية. وبحسب ما رشح عن الاجتماع، فإنّ البحث دار حول مواد الميزانيات المالية الخاصة بالمؤسسات العسكرية، التي يتم رفعها إلى رئاسة الحكومة ووزارة المال، كما تمّ الاتفاق على وضع اقتراحات حول التعديلات في بعض المواد في موازنة 2021.

 

ميزانيات الأجهزة العسكرية والأمنية لم تُعدّل رغم بلوغ الدولار عتبة العشرة آلاف ليرة، وعدم وجود أيّ مؤشر جدّي لولادة الحكومة قريبًا، والأزمة المعيشية والاجتماعية تتفاقم بما يؤثّر مباشرة على معنويات العسكر واستمراريتهم في السلك. عدا عمّا تعانيه المؤسسة العسكرية من تجميد الترقيات التي تتطلّب أيضًا ميزانيات مختلفة. واللّافت أنّ مشروع الموازنة الذي رفعه وزير المال تضمّن وقف الترقيات، مع العلم أنّ الفوارق بين الرواتب مقارنةً بسعر صرف الدولار باتت هزيلة، إذ تبلغ 700 ألف ليرة بين عقيد وعميد (أي ما يعادل 70 دولارًا) ومن نقيب لرائد 200 ألف (20 دولارًا).

بغض النظر عمّا يُحاك من مشاريع على عجل واقتراحات قد تُبصر النور أم لا، لا بدّ من التسليم أن المؤسسة العسكرية لا سيّما الجيش يعاني أزمة حقيقية تتمظهر في أمور روتينية يومية، لتلبية الاحتياجات من بزّات عسكرية وطعام وصيانة، وكلّها يتم تسعيرها بحسب سعر الدولار في السوق السوداء.

وكما تمثّل الرواتب كارثة للغالبية العظمى من اللّبنانيين كذلك بالنسبة للعسكريين. وعُلِم أنّ المراجعات المتكرّرة لوزارة المالية يأتيها جواب واحد “لا يوجد أموال”. يعني لا زيادة من خارج جدول الرواتب، وأيّ خطوة بهذا الاتجاه ستُثير غضب موظفي القطاع العام بكافة أطيافهم.

وزير المالية، بلا مال، غازي وزني كان قد أعدّ موازنة 2021، وأحالها في كانون الثاني الفائت إلى رئاسة الحكومة على أساس سعر صرف 1500، رغم أنّ الدولار طار سقف ارتفاعه ولا يبدو أنّ ثمّة من هو قادر على التحكّم فيها رغم حجب المواقع وحملة ملاحقة الصرافين.

 

رانيا برو

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية. عملت في عدة مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: