اقتصاد

هل تُستوّفى العقود التجارية والمصرفية بالدولار؟

مُنذ اندلاع أحداث 17 تشرين 2019 والإرتفاع التدريجي في سعر صرف الدولار، ظهرت أزمة حادّة في التعاملات التجارية والمصرفية في الأسواق، أُضيفت إلى أزمة احتجاز الودائع في المصارف.

أزمة تسديد العقود التجارية والمصرفية تفاعلت على مستوى أكبر مع تغيّر مستوى المعيشة نتيجة الارتفاع الكبير بسعر صرف الدولار، سيّما وأنّ معظم عقود البيع والشراء في السوق العقاري والتجاري والمالي، والقروض المصرفية، قبل 17 تشرين 2019 مُقوّمة بالدولار الأميركي؛ ما أدى إلى نزاعات قانونية بين الدائِن والمَدين وبين الشاري والبائع، وبين المُتعهِد والزبون. وبالتالي تراكُم الدعاوى الجزائيّة أمام القضاء المستعّجل بعدما عجِزت تعاميم مصرف لبنان والقرارات القضائية عن حلها، ما دفع بوزيرة العدل ماري كلود نجم إلى التدخل لتنظيم عمليات استيفاء المستحقات بالعملة الأجنبية.

وزارة العدل: تشكيل لجنة قضائية إستشارية

ولهذه الغاية أصدرت وزارة العدل أمس السبت قراراً، أعلنت فيه عن تشكيل لجنة مؤلفة من قضاة ومحامين وجامعيين، مهمتها البحث في إمكانية إصدار نص قانوني يعالج الإشكاليات.

فهل يؤشّر هذا القرار إلى توجهٍ حكومي لتثّبيت الإسّتيفاء بالليرة اللبنانية للتعاملات بالدولار أم تحرير السعر؟ وما خطورة ذلك في ظلّ ثبات الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص والتي فقدت قيمتها أمام الدولار؟ وهل هو خطوة باتجاه توجيه الضربة القاضية للّيرة اللبنانية بدلاً من اتخاذ خطوات لتدعيمها؟ ولماذا جرى في الأصل إبرام عقود القروض بالدولار في بلدٍ عملته مُقوّمة بالليرة اللبنانية؟

وتضمّن قرار وزارة العدل جملة أسئلة، طلبت من اللجنة توضيحها لتتحوّل إلى تعاميم أو قرارات أو ربما قوانين يجري اعتمادها في المحاكم لحل النزاعات. كما طلبت الوزارة من اللجنة أن ترفع دراستها إلى وزيرة العدل خلال مهلة شهر.

أما الأسئلة فهي: “هل يحق للأطراف اشتراط الإيفاء بالعملة الأجنبية؟ في حال كان الجواب إيجابياً، هل يؤدي بطلان البنود المحرّرة بالعملة الأجنبية كوسيلة دفع إلى بطلان الإتفاقية؟

في حال تم الإتفاق على التعامل بالعملة الأجنبية، هل يحق للمدِين أن يبرئ ذمته بالعملة الوطنية؟

هل يُعتبر سعر صرف الدولار المحدد لتعاملات مصرف لبنان مع المصارف 1507 ليرة لبنانية للدولار الواحد سعراً رسمياً لصرف الدولار؟ وفي حال كان الجواب سلبياً كيف يتم تحديد سعر صرف الدولار من قبل القضاء؟

هل يحق للدائن أن يرفض الإيفاء بواسطة شيك محرّر بالعملة الأجنبية إذا كانت المؤؤنة محجوزة لدى المصرف، علماً بأن الأوضاع الحالية تحول دون إمكانية صرف الشيك نقداً؟

أزمة عقود و”شيكات بنكية”

وتحدّثت مصادر مطلعة على تعاملات السوق لـ”أحوال” أنه “وباستثناء عمل شركات المقاولات والبناء في المناطق المتضررة جرّاء تفجير مرفأ بيروت، والتي تتعاون مع جمعيات المجتمع المدني “NGOs”، إلا أن القطاع العقاري يعيش جموداً تاريخياً، علماً أن العقارات حافظت على سعرها وبالدولار؛ لكن هذا النشاط في محيط المرفأ لا يُشكِل سوى 2 في المئة من النشاط العقاري العام”.

هذا الأمر بحسب المصادر، سبب إرباكاً في السوق العقاري ودفع أصحاب العقارات إلى تجميد البيع وترصُد الإتجاهات المقبلة على الصعد السياسية والمالية والاقتصادية، ما أوقع أصحاب العقارات والمقاولين والتجار والمتعهدين بأزمة مالية دفعتهم لطلب إستيفاء حقوقهم في السوق بالدولار أو عبر نظام “الشيكات المصرفية”. إلا أنّ قيمة تحرير هذه الشيكات من المصارف تدنّت وتراوحت بين 34 و36 %، كما توقفت عقود البيع بالليرة اللبنانية مع محاولات داخلية لفتح أسواق في الخارج لتعويض الخسائر.

وكشفت المصادر عن توسّع دائرة الخلافات حول عقود التعاملات التجارية المبرمة ما قبل تشرين 2019 بين الشركات والمصارف والزبائن نتيجة التغير في سعر الصرف، ما دفع بأصحاب المصالح والمتعهدين الذين يرفضون القبض بالليرة إلى رفع دعوى على الزبائن الذين يرفضون التسديد بالدولار، ويبادرون إلى التسديد وفق سعر الصرف الرسمي عبر إيداعهم عند كاتب العدل. هذا إضافة إلى أزمة في قطاع الإيجارات بين المالكين والمستأجرين.

هل يُحرّر سعر الإستيفاء؟

وبالرغم من التعقيدات القانونية والمالية التي تحملها الأسئلة الواردة في قرار العدل أعلاه، إلا أنّ الخبير القانوني والدستوري عادل يمين أوضح لـ”أحوال” أنّه “نتيجة ارتفاع سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء، ووجود ثلاثة أسعار له بين الرسمي والمنصة والسوق السوداء، حصل إرباك في التعاملات والعقود المدنية والتجارية وكيفية تنفيذها، وفقاً لأي عملة وأي تسعيرة يتوجب من خلالها إيفاء الديون والإلتزامات، لذلك ارتأت وزيرة العدل تشكيل لجنة لبحث إعداد مشروع قانون يعالج هذه الإشكاليات”.

وبمعزل عن الجهة التي ستستفيد من رأي اللجنة، فالظلم لاحقٌ بالجهتين بحسب مصادر مطلعة على الملف. لكن ما هو جدّوى عمل اللجنة إذا كان سعر الإستيفاء لا يزال 1507 ل.ل؟ وهل وُضِعَ هذا الموضوع قيد التداول لتظهير الخلاف حوله كمقدمة للتوصل إلى حلٍ وسط رضائي لسعر الإستيفاء، بضغطٍ من اللوبي المصرفي التجاري وبالتالي تحرير السعر؟

وإذا كان هذا هو التوجه الباطني، فعلى الحكومة أنّ تُحرّر رواتب الموظفين أيضاً، أي دفع قيمة الرواتب بالليرة حسب سعر السوق السوداء أي 8900 ليرة حالياً. واستطراداً، ما هو مصير مئات آلاف العقود التي أُبرمت بالدولار؟ وهل تخيير الدائن والمدين التعامل بعملة التسديد هو تشجيع على تجديد العقود بالدولار؟ واللافت هو تضمين الأسئلة سؤال عن احتمال التسديد بالدولار! وفي هذه الحالة هل يستطيع المدين إكمال تسديد قروضه بالليرة؟ أما الخطورة فتكمن في إجبار المدين على تسديد العقود بالدولار عبر “شيكات” من حسابه المصرفي، وبالتالي إجباره على تحرير وديعته “الدولارية” بربع قيمتها أي على سعر 34 % وبالتالي تطبيق الهيركات المقنع”.

أبو سليمان: لا يمكن تغيير سعر الإستيفاء إلا بقرار سياسي 

الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان لفت في حديث لـ”أحوال” إلى أنّ “السعر الرسمي للدولار لا يزال 1507 ل.ل ولا يمكن تغييره بسبب الظروف القاهرة، إلا بقرار سياسي واضح ضمن خطة اقتصادية مالية محددة؛ وبالتالي يمكن حينها إعادة النظر بالعقود المبرمة قبل تدهور سعر صرف الليرة”. وأوضح ابو سليمان أنّ “الدائِن والمَدين مُجبرين على التعامل وفق السعر الرسمي، ومن المعروف أن الدولة كرّست الاقتصاد المدولر، أي تسديد العديد من السلع والخدمات بالدولار رغم بيعها للمواطن بالليرة كفواتير الهاتف الخليوي”. وأضاف: “القرار يهدف إلى تنظيم الخلافات والنزاعات، لكن وزارة العدل ليست الجهة الصالحة لتغيير القرار، كما أن اللجنة التي شكلتها هي إستشارية فقط وليست تقريرية، وبالتالي القرار في هذا الشأن تأخذه الحكومة مجتمعة بالتشاور مع مصرف لبنان”.

هل المصارف ملتزِمة السعر الرسمي؟   

وفيما لفت خبراء إلى أنّ المصارف تضغط لتحرير الإستيفاء بسبب التغيرات بسعر الصرف، فضلاً عن وجود مستثمرين ومغتربين يأتون بـ”الدولارات الفريش” من الخارج يمكنهم دفع قروضهم بالدولار، دعت مصادر اقتصادية المصارف إلى تحرير ودائع المواطنين في المصارف قبل طلب تحرير الإستيفاء. وبدورها أبدت مصادر مصرفية استغرابها الشديد أزاء هذا القرار والفائدة منه. وأوضحت لـ”أحوال” أنّ “الأكثرية الساحقة من ديون المصارف للقطاع الخاص هي بالدولار”، مشيرة إلى أنّ “أصحاب القروض المصرفية المجزأة بالدولار (سكن – سيارة – شخصية) يدفعون منذ بدء الأزمة حتى الآن أقساطهم الشهرية بالليرة اللبنانية وفق السعر الرسمي 1507 ليرة بناء على قوانين في مجلس النواب وتعاميم مصرف لبنان”.

وأجابت المصادر على السؤال الثالث في القرار بسؤال مقابل: “هل أصلاً لا زال السعر الرسمي للدولار معتمداً في ظل تعدد أسعار الصرف في السوق الرسمية (منصة مصرف لبنان 4000 ل.ل ) والسوق السوداء الذي يتغير يومياً؟ وأضافت: “المصارف تُقرِض بالدولار منذ ثلاثين عاماً، فلماذا تذكّرت الدولة الآن؟

محمد حمية

 

 

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: