سياسة

وصيّة إسرائيلية لبايدن: دمّروا القطاع المصرفي اللبناني

كيف أصبحت "إسرائيل" مركزاً حيوياً للمنطقة؟

قبل أن تطأ قدما جو بايدن عتبة البيت الأبيض، نشر معهد “الدفاع عن الديمقراطية” الأميركي، تقريرًا يتضمن توصياته للرئيس الأميركي الجديد، أبرزها تصعيد الضغط على النظام المصرفي اللبناني.

ويرتبط هذا المعهد بمنظمة “إيباك” التي تقود اللوبي “الإسرائيلي” في الولايات المتحدة، وهو واجهة لوزارة الشؤون الاستراتيجية “الإسرائيلية”؛ وعادة ما تتركز أبحاثه على قضايا الشرق الأوسط، ويتناول القضايا من زاوية المصالح الإسرائيلية، وتربطه أيضاً علاقات وثيقة مع دول خليجية.

فهل هي مجرد ضغوط تقليدية من “الصهيونية الأميركية” عند تسلّم إدارة أميركية جديدة أم جزءاً من التسوية الأميركية الداخلية بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي و”الحزب الأميركي الثالث” المعروف بـ”اللوبي الصيهوني”؟

التقرير يضغط لتصنيف حزب الله “كمنظمة إرهابية”

يرى أستاذ العلوم السياسية الشيخ صادق النابلسي، أنّ “تسوية ما أُبرِمت بين الحزبين الأميركيين وقوى الضغط السياسية والدينية لتأمين إنتقال آمن وسلس للسلطة بين ترامب وبايدن، بعدما بلغ التأزم السياسي والتوتر الأمني ذروته ووقفت الأمبراطوية الأميركية على حافة الإنقسام المجتمعي والحرب الداخلية”.  وعن مضمون التسوية، قال النابلسي لـ “أحوال”، هو الفصل بين الملفات الداخلية التي تعني الدولة والمصالح الأميركية الداخلية وبين قضايا السياسة الخارجية؛ وأهمها الإبقاء على التشدد الأميركي تجاه إيران من عقوبات وتهديدات عسكرية، والحفاظ على التحالف الإقليمي الدولي سيما الخليجي – الأميركي ضدها، وعدم الجنوح نحو التفاوض معها. وبالتالي لا يبدو أنّ هناك تغييراً في التوجهات الأميركية تجاه إيران وحزب الله على الأقل في المدى المنظور.

والملاحظ في التقرير الأميركي، أنّ التوصيات لا تقتصر فقط على إدارة بايدن، بل تتعداها لتشمل الإتحاد الأوروبي. فقد دعا التقرير إلى الاستمرار في الضغط على الاتحاد الأوروبي، لتصنيف حزب الله كله “منظمة إرهابية”.

كما أوصى بـ”عدم التعامل مع أي حكومة تضم الحزب أو تتأثر به، لأن ذلك سيجعلها متواطئة”. وهنا يمكن استنتاج أسباب عرقلة ولادة الحكومة الجديدة.

أحداث كبرى مقبلة في المنطقة

ويتوقع النابلسي أن نشهد خلال مرحلة الإدارة الجديدة أحداثاً كبرى لم نشهدها إبّان إدارة ترامب، كعمليات أمنية وإرهابية وحروب عسكرية محدودة؛ وما حصل في العراق مؤشراً على نية أميركية لإعادة استنهاض تنظيم داعش واستحضاره في ساحات عدة في المنطقة سيما في سورية والعراق ولبنان، بهدف إعادة استخدام ورقة الإرهاب للضغط على المحور الإيراني – السوري. وأضاف أنّ إدارة بايدن ستكون إدارة التفاوض وعقد التسويات في نهاية المطاف، لكن لا يعني ذلك تهاون واشنطن التي ستخوض التفاوض على صفيح ساخن مع إشعال الساحات أكثر.

وفي ضوء هذا التصوّر، يُبّدي النابلسي خشيته بأن يكون الشقّ المخّفي من التسوية المتعلّق بلبنان على شكل أعمال أمنية من إغتيالات وإرهاب وإثارة الفتن الاقتصادية وإعتداءات عسكرية إسرائيلية محدودة على سورية ولبنان أو ضربة عسكرية على إيران.

الأميركيون ينظرون إلى لبنان من زاوية حزب الله

ويتقاطع هذا التحليل مع كلام سفير لبنان السابق في واشنطن أنطوان شديد، الذي يشير لـ”أحوال” أنه “من المبكر الحكم على توجهات الإدارة الأميركية الجديدة في المنطقة، وبالتالي إنعكاسها على لبنان”. لكنه يوضح بأن النظرة الأميركية للوضع اللبناني تحدّد من زاوية حزب الله كجزء من الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وبالتالي النظرة الأميركية للبنان ستحدّد بناء لنتيجة المفاوضات بين واشنطن وطهران.”

ولا يتوقع شديد إنتاج حكومة سريعة في لبنان بعد تسلّم بايدن الرئاسة، لكنه توقع أن لا يشهد لبنان مزيداً من الضغوط والعقوبات، وأن تبقى الحكومة تحت السقف الذي وصل إليه ترامب.

لماذا تصعيد الضغط على النظام المصرفي اللبناني تحديداً؟

يعود مصدر سياسي مخضرم إلى الحقبات السياسية الماضية أو إلى “العصر الذهبي” الذي طبع فترة الستينيات إلى أوائل السبعينيات وحتى في حقبة الحرب الأهلية. إذ شكّل لبنان آنذاك نقطة وصل إستراتيجية للمنطقة على صعد مختلفة؛ فكان أكثر المراكز المصرفية أهمية وعُرِف بـ”سويسرا الشرق” ما شكّل مصدراً اقتصادياً تنافسياً لإسرائيل. فيما كان مرفأ بيروت صلة الوصل بين الخليج والبحر المتوسط فضلاً عن أن بيروت كانت “جامعة العرب” الأكاديمية والإستشفائية.

لكن المشهد انقلب بحسب ما أشار المصدر لـ”أحوال”؛ فبدأ التدمير الممنهج للقطاع المصرفي لمصلحة تفرّد القطاع المصرفي الإسرائليي، فيما تم تدمير مرفأ بيروت وتعويم مرفأ حيف، وتحوّل إلى جسر التواصل بين الخليج والمتوسط.

هذا، ويحمل مصطلح “تصعيد الضغط” دلالة واضحة بأنّ استهداف القطاع المصرفي ليس طلباً إسرائيلياً جديداً ولا فعلاً حديثاً. بل سبق لهذا “اللوبي الصهيوني” أن وضع هذا الهدف كأولوية نصب عينيه، وفرضه على الإدارات الأميركية السابقة، لكن اعتبارات عدة لا مجال لذكرها هنا حالت دون تنفيذها باستثناء إدارة ترامب. ما يُستنّتج بأن أحداث 17 تشرين 2019 كانت حلقة في مخطط ضرب النظام المصرفي، وتظهّرَ أكثر في العام 2016 مع وصول ترامب إلى الرئاسة. حيث اتُخِذ حينها قرار حصار لبنان واعتماد سياسة العقوبات القصوى. ما يعني بأنّ سرقة ودائع اللبنانيين وتهريب مليارات الدولارات إلى الخارج ورفع سعر صرف الدولار وضرب النقد الوطني، كانت أدوات هذا المشروع.

الإنهيار النقدي بين الفساد والمؤامرة

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور حسن خليل لـ”أحوال” أنّ “الإنهيار النقدي في لبنان حصل بغض النظر عن الإستهداف الإسرائيلي، والسبب هو الفساد اللبناني”. ويلفت إلى أنه “بالتأكيد هناك أطماع إسرائيلية ومنافسة لقطاع المصارف اللبناني وغيره من المرافق الحيوية، لكن انهيار القطاع المصرفي ليس مؤامرة خارجية بحت”. ولفت إلى أنّ “الإغتيال الاقتصادي للدول موجود لكن لبنان لم يكن مطلوب اغتياله اقتصادياً منذ حقبة الرئيس رفيق الحريري حتى العام 2016. بل الفساد الداخلي استجلب المؤامرة الخارجية”.

في المقابل، يعتبر الخبير في الشؤون الإستراتيجية أنيس النقاش أنّ “استهداف القطاع المصرفي ليس جديداً؛ بل كان هدفاً إستراتيجياً وحيوياً إسرائيلياً لأسباب عدة، أهمها تفجير لبنان مالياً واقتصادياً واجتماعياً لتحميل حزب الله المسؤولية للتحريض عليه وتأليب بيئته والرأي العام عليه. ويلفت النقاش إلى أنّ أحد أهداف إفلاس القطاع المصرفي هو ضرب الاقتصاد السوري أيضاً، إذ خسر السوريون ودائع في لبنان بقيمة 20 مليار دولار.

ويضيف النقاش لموقعنا، أنّ استهداف القطاع المصرفي اللبناني يندرج في إطار التنافس التاريخي مع الاقتصاد والمصارف الإسرائيلية. وجاء توقيت تنفيذ مخطط الإنهيار في زمن التطبيع العربي – الإسرائيلي، وبالتالي لكي تصبح إسرائيل مركزاً لاستقطاب الإستثمارات والودائع ورؤوس الأموال والمشاريع من جميع دول المنطقة بدلاً من لبنان.

أسلوب جديد لحصار حزب الله

لم تنجح سياسة الحصار والعقوبات المالية على حزب الله على مدى السنوات الماضية، سيما بين العامين (2011 و2016). بل ارتدت بمفاعيل عكسية وزادت الحزب قوة وقدرة على إدارة أزمته بسلاسة وعلى تسييل مدخراته في تأمين رواتب عناصر الحزب العسكرية والمدنية، وتعزيز صمود بيئته الاجتماعية إلى حدٍ كبير وسد عجز الدولة في مواقع عدة، بحسب أوساط فريق المقاومة. لذلك جرى تعديل أميركي على هذه السياسة والعمل على ضرب القطاع المصرفي اللبناني، ما يؤدي إلى انهيار مالي واقتصادي ونقدي في لبنان، وبالتالي انهيار اجتماعي يقود إلى توترات أمنية وحرب أهلية وبالتالي ينقلب البلد على رأس حزب الله.

محمد حمية

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: