سياسة

هكذا سيحارب بايدن موسكو

لم تتراجع “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة الأميركية عن التصويب على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يومًا. كانت تتخذ في السنوات القليلة الماضية شعار “التدخل الروسي” في شؤون بلادها عنوانًا للتهجّم على موسكو، إنطلاقًا من اتهامات أميركية لروسيا الاتحادية بأنّها دعمت الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ خوض حملته الانتخابية الأولى.

ثم كرّت سبحة الاتهامات حول قرصنة روسية لمواقع ومؤسسات أميركية ذات أهمية استراتيجية. كل ذلك كان يوحي بوجود نيّة أميركية لإبقاء فوّهات المدافع السياسية والاقتصادية والعسكرية مصوّبة نحو روسيا: ممنوع إحياء دور الاتحاد السوفياتي السابق في العالم بعنوان جديد هو الاتحاد الروسي.

لم يستطع ترامب أن يدافع عن رؤيته بإبعاد موسكو عن التصويب الأميركي والتركيز فقط على بكّين، لا بل إنّ إدارته إنخرطت نسبيًا بحملة التهويل الأميركي ضد الروس، وشاركت بالموافقة على عقوبات اقتصادية بحق موسكو. لذا، لم تتوقف الاستهدافات الأميركية لروسيا الاتحادية في عهد ترامب، بينما يُنتظر أن يزداد التوتر الأميركي-الروسي في عهد الإدارة الجديدة.

تشير المعطيات إلى أنّ فريق الرئيس الأميركي المُنتخب جو بايدن يسعى إلى فرض تضييق حازم على الحراك الروسي في أيّ بقعة جغرافية في العالم، إنطلاقًا من رؤية المؤسسة الأميركية الحاكمة بأن موسكو توسّع نفوذها الدولي لفرض شراكة مع القطب الأميركي الأوحد في العالم. لا تقتصر الرؤية على ما حصل في جزيرة القرم ومقاربة قضية أوكرانيا، بل إن “الدولة الأميركية العميقة” التي أزعجتها مقاربة روسيا للملف الأرميني- الآذري في الأشهر الماضية، تستحضر وجود الروس في سوريا ومحاولاتهم لعب دور ريادي في كلّ من ليبيا واليمن، وتطوير العلاقات الاقتصادية مع دول عربية وتركيا وإيران. ممّا يعني هنا أنّ روسيا تتمدّد، وهو ما لا يرضى عنه الأميركيون العائدون إلى تفعيل إدارتهم للعولمة، بعد أن كانت إدارة ترامب سعت للتراجع إلى داخل الولايات الأميركية.

هناك نيّة أميركية لإبقاء فوّهات المدافع السياسية والاقتصادية والعسكرية مصوّبة نحو روسيا

يُمكن للإدارة الجديدة استخدام وسائل عدّة للتضييق على روسيا وإجهاض توسّعها الخارجي: أولًا، سيشاكس الأميركيون الروس في سوريا من خلال سيناريوهات عدّة، أبرزها دعم أو غض الطرف عن المجموعات الإسلامية المتطرفة لإشعال معارك ضد السوريين وحلفائهم، وبذلك تتحقق رؤية وزير الدفاع الأميركي الجديد في محاربة روسيا في سوريا.

ثانيًا، التفاف الإدارة الأميركية الجديدة على محاولات روسيا بناء علاقات وشراكات مع دول تُصنّف في خانة الشراكة مع الولايات المتحدة، أو هي في حلف شمال الأطلسي. من هنا يأتي النزاع السياسي بين واشنطن وأنقره لإجهاض مشروع صورايخ أس 400. واذا كان الأميركيون أرادوا ضرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على يديه، فهو سيسارع إلى استرضاء بايدن للحصول على مكاسب أميركية وضمان عدم محاصرته بعقوبات كانت فُرضت على أنقره وأدّت إلى تراجع سعر عملتها أمام الدولار الأميركي.

فريق بايدن يبدو أنه مصمّم على وضع روسيا الاتحادية على رأس جدول أعماله الخارجي

ثالثًا، سيحاول فريق بايدن أن يحارب روسيا في سوق الغاز على المساحة الأوروبية: يعتبر الأميركيون أنّ أهم الواردات المالية الروسية تأتي من خلال بيع الغاز لأوروبا، فإذا نجحت واشنطن في تأمين البدائل لدول أوروبية، فسيؤدي ذلك إلى نسف ركائز الاقتصاد الروسي، مما يساهم في طحن المشروع التوسعي الروسي في العالم.

رابعًا، سيستغل الأميركيون أي عنصر روسي داخلي للتصويب على موسكو، وتأتي في هذا السياق إثارة قضية المعارض اليكسي نافالني الذي قبضت عليه السلطات الروسية في المطار فور عودته من ألمانيا. يبدو أنّ ملفه سيشكّل بابًا روسيًا تقرعه واشنطن طيلة الوقت لإزعاج الاتحاد الروس.

ستتكاثر الذرائع الأميركية في معركة واشنطن ضد موسكو، لأن فريق بايدن يبدو أنه مصمّم على وضع روسيا الاتحادية على رأس جدول أعماله الخارجي، بينما هو سيذهب إلى إحياء اتفاق نووي مع إيران بعد مفاوضات مرتقبة.

 

 

 

عباس ضاهر

اظهر المزيد

عباس ضاهر

كاتب وصحافي لبناني. باحث متخصص بإدارة الأزمات والخطاب السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: