ارتهان السيادة على مقاعد الانتظار: لبنان بين صناديق تل أبيب وتجاذبات المحاور
بقلم: د.هشام الأعور

تُمثّل الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة إلى لبنان مسألةً تتجاوز البُعد الداخلي للطرف الآخر على الحدود، لتتحول إلى محطة سياسية وأمنية تُحبَس معها الأنفاس، بانتظار ما قد تحمله نتائجها من تداعيات على المشهد الجنوبي المشتعل يومياً بالغارات والقصف، وعلى مستقبل التفاوض، وحسابات التهدئة والتصعيد. غير أن الخطأ الفادح في القراءة الجيوسياسية يكمن في اختزال التحولات الكبرى باسم الشخصية التي ستترأس الحكومة في تل أبيب؛ فالتجربة تكرّر درسها القاسي بأن التباينات بين بنيامين نتنياهو ومنافسيه، كـ غادي آيزنكوت أو غيره، تُدار تحت سقف عقيدة أمنية إسرائيلية ثابته، قد تختلف في أساليبها وتكتيكاتها ومدى استجابتها للضغط الأميركي، لكنها تتفق حتماً على الرؤية الاستراتيجية تجاه الجبهة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، يغدو الرهان على تغير الوجوه مجرد سراب ما لم يقترن بمؤشرات عملية تُترجم في الميدان، خصوصاً أن المراحل الانتقالية في تل أبيب غالباً ما تفتح الباب لفرض واقع أمني جديد يُصعّب تداركه لاحقاً تحت غطاء الضبابية السياسية.
لكنّ التعقيد الحقيقي لا يقف عند حدود ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع، بل يمتد إلى الانقسام البنيوي الذي يمزق الداخل اللبناني ويحرم الدولة من إمكانية صياغة موقف موحد؛ إذ تقف الساحة اللبنانية اليوم على خط تماس حاد بين مشروعين متناقضين: معسكر “اتفاق الإطار” الذي يمثله رئيس الجمهورية والمؤسسات الشرعية، والداعي إلى إدارة الملف عبر المظلة الرسمية والدبلوماسية المُرعاة دولياً وأميركياً لبسط سلطة الدولة وتعزيز حضور الجيش وحماية السيادة، في مقابل “معسكر إسلام آباد” الذي يتحرك حزب الله وحلفاؤه في فلكه، مراهنين على الامتداد الإقليمي وموازين القوة البديلة خارج السقف الأميركي لمواجهة الاستحقاقات المقابلة. هذا التنازع الداخلي، المتقاطع مباشرة مع خطوط الشد والجذب بين واشنطن وطهران، يجعل الموقف اللبناني هشاً وعرضة للاستنزاف، حيث يُترك الجنوب ومستقبله رهينةً لمعادلات أمنية يفرضها الطرف الآخر منفصلاً، أو لنتائج صراع نفوذ إقليمي لا يملك لبنان مفاتيح التحكم فيه.
إن الخطورة الكبرى التي تواجه لبنان اليوم لا تكمن في هوية الفائز في انتخابات تل أبيب، بل في انزلاق الوطن نحو قاع التبعية المطلقة للحدث الخارجي. إنها المأساة الكبرى لبلدٍ أفرغ مؤسساته من قرارها، وأسقط من يده زمام المبادرة، ليجلس على مقاعد الانتظار يرصد مصيره الوطني وسيادته ومستقبل أبنائه عبر ما تُسفر عنه صناديق اقتراعٍ تُدار عند الطرف الآخر من الحدود، أو عبر ما تُنتجه مقايضات التسوية في عواصم القرار الإقليمي والدولي. إن بلداً يربط وجوده بانتظار الهامش الذي يتركه له الآخرون، هو بلد يُسقِط من ذاته مفهوم الدولة؛ فحماية الجنوب وضمان الاستقرار لن يتأتيا من ترقّب الوجوه القادمة إلى السلطة في تل أبيب، بل من امتلاك الإرادة لكسر حالة الارتهان، وصياغة موقف وطني جامِع يستعيد القرار السيادي، ويمنع تحويل الأراضي اللبنانية إلى ورقة تفاوض في مهب الرياح الخارجية.



