حين يتحوّل النقد إلى «خنجر في الظهر».. خطاب دمشق يصنع أعداء بدلًا من الدولة

لم يكن منشور الكاتب أحمد كامل مجرد موقف من خلاف إعلامي، بل كان عيّنة صريحة من اللغة التي تديرها أجواء دمشق اليوم: لغة تُحوّل كل معارض إلى خائن، وكل سؤال إلى مؤامرة، وكل اختلاف سياسي إلى تهديد لوجود فئة كاملة. فبدلًا من أن يردّ كامل على نقد عزمي بشارة أو زيدون الزعبي بالحجّة، اختار وصمهما بوصفهما «صبيان الإسرائيلي» و«مخلّفات النظام البائد»، في أسلوب معتمد من سلطة الجولاني وأبواقها، يُستخدم لتصفية الحسابات بدلًا من مناقشة الأفكار.
وفي قلب المنشور، اختزل كامل قضية الحكم في معادلة مرعبة: بقاء «العهد الجديد» مسألة حياة أو موت للسنة، والدفاع عنه دفاع عن الوجود ومنع «الإبادة الجماعية». بهذه الصياغة، لم يعد السؤال: هل تقدّم الإدارة أمنًا وعدلًا وخدمات ومستقبلًا؟ بل أصبح السؤال: من يملك حق البقاء، ومن يُستبعَد من الوطن؟ وهذا هو جوهر الخطاب الإقصائي الذي يحاول تبرير الهيمنة باسم حماية الأغلبية.
الأخطر أن كامل لم يكتفِ بالتخوين، بل دعا إلى تحرّك الشارع، واصفًا خصومه بأنهم «خنجر مغروس في الظهر». وهنا تنكشف وظيفة هذا الخطاب: صناعة عدو داخلي يُشغَل به الجمهور، ويُستغل لتبرير القمع والإقصاء وتكميم الفضاء المدني. فحين يُصنَّف الناقد عميلًا، والصحفي أداة لدولة أجنبية، والمعارض امتدادًا لنظام سابق، لا يبقى أمام المجتمع سوى الصمت أو الانحياز.
لكن المفارقة أن هذا الصراع لا يقتصر على مواجهة السلطة بخصومها، بل يكشف أيضًا ضعف الوجوه التي تدور في فلكها. فبينما يقدّم أحمد كامل نفسه مدافعًا عن «العهد الجديد»، يقدّم عزمي بشارة وزيدون الزعبي نفسيهما بوصفهما بديلًا مدنيًا أو إصلاحيًا، رغم أن كليهما يعمل داخل الإطار السياسي ذاته الذي يديره أحمد الشرع وأبواقه الإعلامية. والنتيجة أن الجميع يتنافس على تسمية الواقع نفسه بأسماء مختلفة: «عهد جديد»، أو «انتقال»، أو «إصلاح»، أو «مواطنة»، بينما يبقى جوهر المسألة واحدًا: سلطة تفرض نفسها بلا مؤسسات حقيقية ولا مساءلة واضحة.
اللافت أن زيدون الزعبي، الباحث المتخصص في الحوكمة وبناء السلام، وعزمي بشارة، الإعلامي الحاضر في النقاش العام، لا يقدّمان بديلًا جوهريًا عن منطق السلطة، بل يبدوان أحيانًا جزءًا من لعبتها: أحدهما يمنحها شرعية «الخبير»، والآخر يمنحها واجهة «الناقد المسموح». وهنا تكمن المفارقة الكبرى: خطاب يهاجم السلطة ظاهريًا، لكنه يبقى محاصرًا داخل مفرداتها وحدودها.
ما تحتاجه سوريا ليس خطابًا يقرّر من يملك الحق في البقاء، ولا وجوهًا إعلامية تتنازع تفسير سلطة واحدة. ما تحتاجه هو سياسة تنهي منطق التخوين، وتحمي كل السوريين بغضّ النظر عن طائفتهم، وتضع القانون والمؤسسات والانتخاب الحقيقي فوق خطابات «الوجود أو الفناء» التي لا تنتج شيئًا سوى مزيد من الانقسام والخوف.



