سياسةملفات ساخنة

فضيحة ترشيح عيسى: حكومة سلام مطالَبة بكشف معايير الاختيار وشبهة تضارب المصالح

سؤال نيابي يضع حكومة نواف سلام أمام اختبار الشفافية: من اختار الأمين العام للخارجية؟ بأي معايير؟ وكيف فُصلت مصلحة المرشّح عن صلاحيات الوزارة التي تتولى متابعة ترشيحه؟

لم يعد ترشيح الأمين العام لوزارة الخارجية والمغتربين، السفير عبد الستار عيسى، لعضوية لجنة القانون الدولي مجرّد معلومة متداولة في الكواليس. فالقائمة الرسمية المنشورة على موقع الأمم المتحدة، والمحدّثة في 12 تشرين الأول 2026، تُدرج اسمه مرشّحاً قدّمه لبنان ضمن مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ. بذلك، أصبحت التسمية واقعة رسمية، بينما تبقى آلية اتخاذ القرار وأسباب المفاضلة موضع مساءلة.

في اليوم نفسه، وجّه النائب إبراهيم منيمنة سؤالاً إلى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، مستنداً إلى المادة 124 من النظام الداخلي للمجلس. وتكشف نسخة السؤال المرفقة أن الاعتراض يتجاوز اسم المرشّح إلى طريقة إدارة الدولة للترشيحات الدولية: غياب معايير معلنة، وتساؤلات عن دور مجلس الوزراء، وشبهة تضارب مصالح مرتبطة بترشيح المسؤول الإداري الأول في الوزارة المعنية بالملف.

القضية التي تضعها الوثيقة على الطاولة واضحة: هل اختارت الحكومة عيسى بعد تقييم موضوعي للكفاءات، أم أصبح الموقع الإداري طريقاً مختصراً إلى ترشيح دولي تتولى الوزارة نفسها إعداده والترويج له؟

الترشيح أُرسل… فأين قرار الاختيار؟

يسأل منيمنة عن الآلية المعتمدة لاختيار الأمين العام للوزارة، وما إذا كان صدر قرار بذلك عن مجلس الوزراء، طالباً رقمه وتاريخه. ويسأل أيضاً لماذا لم يُفتح باب الترشيح ولم تُعلن معايير الاختيار.

هذه الأسئلة تمسّ أصل القرار. فإدراج الاسم في القائمة الأممية يثبت وصول الترشيح إلى الأمم المتحدة، لكنه لا يكشف كيف اتُّخذ القرار داخل لبنان، ومن اقترحه، وما المستندات التي استند إليها.

وبحسب المعلومات الواردة في السؤال النيابي، اختارت الحكومة عيسى من دون فتح باب الترشيح أو الإعلان عن معايير، ومن دون استشارة الجامعات أو الهيئات القضائية أو الخبراء اللبنانيين في القانون الدولي. وهذه معطيات يطرحها النائب للمساءلة؛ أما إثبات تفاصيلها، أو تقديم ما ينفيها، فيقتضي نشر الملف الإداري والجواب الحكومي.

ولا تتضمن المواد المتاحة لهذا التحقيق جواباً من الوزارة أو نسخة من قرار مجلس الوزراء. لذلك، تبقى الفجوة الأساسية بين أمرين: ترشيح رسمي يمكن التحقق منه دولياً، ومسار اختيار داخلي لم تتضح وثائقه في الملف المتاح.

لجنة قانونية متخصصة: أين ملف الكفاءة؟

يشترط النظام الأساسي للجنة القانون الدولي أن يكون أعضاؤها من ذوي الكفاءة المعترف بها في القانون الدولي. ومهمتها تطوير هذا القانون تدريجياً وتدوينه، بما يتطلب عملاً في البحث والتحليل وصياغة النصوص القانونية.

من هنا، فإن تقييم الترشيح يحتاج إلى ملف يشرح المؤهلات المرتبطة بهذه المهمة: الخبرة القانونية المتخصصة، والمساهمات البحثية، والممارسة العملية، والقدرة على المشاركة في إعداد مشاريع القواعد والتعليقات القانونية.

الخبرة الدبلوماسية قد تكون جزءاً مهماً من هذه المؤهلات، لكن اللقب الوظيفي وحده لا يجيب عن سؤال الكفاءة. وعلى الحكومة أن تبيّن ما الذي رجّح اختيار عيسى، وكيف قيّمت خبرته قياساً إلى طبيعة اللجنة.

ولا تسمح الوثائق المتاحة بالجزم بأن عيسى يفتقر إلى شروط العضوية. لكنها، في المقابل، لا تعرض التقييم الذي يبرّر اختياره. وهذا هو موضع المساءلة: أين ملف المؤهلات الذي اعتمدته الحكومة، وأين الأسباب التي جعلته خيارها؟

المرشّح في الوزارة التي تدير ترشيحه

أكثر ما يثيره سؤال منيمنة حساسية هو موقع عيسى داخل وزارة الخارجية. فالوثيقة تصف الأمين العام بأنه المسؤول الإداري الأول في الوزارة المعنية بإدارة الترشيحات الدولية ومتابعتها، وتعتبر أن ترشيحه يطرح إشكالية تضارب مصالح.

ويطلب النائب تحديد التدابير المتخذة لمعالجة هذا التضارب، ولا سيما في إدارة حملة الترشيح واستعمال موارد الوزارة والبعثات الدبلوماسية.

المسألة هنا قابلة للتحقق بوثائق وإجراءات محددة: من أعدّ ملف الترشيح؟ من تولّى تقييمه؟ هل شارك عيسى في أي قرار يتعلق باختياره أو بحملته؟ وهل أُسندت المتابعة إلى جهة منفصلة عن سلطته الإدارية؟

استخدام الدبلوماسية اللبنانية لدعم مرشّح رسمي يمكن أن يخدم مصلحة الدولة. لكن عندما يكون المرشّح في موقع قيادي داخل الجهاز الذي يدير الحملة، تصبح ضمانات الفصل والرقابة ضرورية لتفسير كيفية حماية القرار والموارد من تأثير المصلحة الشخصية.

ولا يثبت المنصب، بحد ذاته، وقوع إساءة استعمال للسلطة أو للمال العام. غير أن السؤال النيابي يفرض على الوزارة إظهار الضمانات التي تمنع ذلك، وتحديد المسؤوليات والكلفة وآلية الإشراف.

الاستقلالية لا تُحسم بالصفة الوظيفية

يربط منيمنة بين موقع عيسى الحكومي وطبيعة العضوية المستقلة في اللجنة. وهذا اعتراض يستحق جواباً دقيقاً، بعيداً عن الأحكام التلقائية.

فالعمل الحكومي أو الدبلوماسي لا يؤدي وحده إلى استبعاد المرشّح من لجنة القانون الدولي. وتوضح الأمم المتحدة أن أعضاءها يعملون بصفتهم الشخصية، وأن عضويتها ضمّت أصحاب خلفيات مهنية متنوعة، بينهم مسؤولون ودبلوماسيون وأكاديميون.

وعليه، يتعين فصل سؤالين: كيف مُنعت المصلحة الشخصية من التأثير في عملية الترشيح داخل الوزارة؟ وكيف سيُضمن أداء العضو، إذا انتُخب، لمهمته بصفته الشخصية؟

هذا الفصل يجعل المساءلة أكثر دقة. فالاعتراض الأقوى يستند إلى فحص الإجراءات والضمانات، وإلى مطالبة الحكومة بتفسير قرارها، بدلاً من افتراض أن الصفة الدبلوماسية تشكّل مانعاً قانونياً بذاتها.

ملف محكمة العدل: سؤال عن فرصة ضائعة

لا يقتصر سؤال منيمنة على لجنة القانون الدولي. فهو يعيد فتح ملف المقعد الذي شغر في محكمة العدل الدولية بعد استقالة نواف سلام.

وبحسب المعلومات الواردة في الوثيقة، سمّت المجموعة الوطنية اللبنانية في محكمة التحكيم الدائمة مرشّحاً مؤهلاً، لكن التسمية لم تُرفع إلى الأمين العام للأمم المتحدة، فخسر لبنان فرصة المنافسة. ويسأل النائب الوزارة إن كانت تلقّت هذه التسمية، ومتى، ولماذا لم تُحلها ضمن المهلة المحددة.

كما يسأل عمّا إذا كانت الحكومة أو الوزارة أبرمت تفاهماً لتبادل الدعم مع الأردن، أو أي دولة أخرى، أدى إلى التخلي عن المنافسة.

الوثيقة تطرح احتمال وجود تفاهم؛ ولا تثبت حصوله. لكنها تحدد مساراً واضحاً للتحقق: تاريخ ورود التسمية، وسجل إحالتها، والمراسلات ذات الصلة، وأي قرار يفسّر عدم استكمالها.

ويجب إبقاء آليتي الترشيح منفصلتين: تسمية مرشّحي محكمة العدل الدولية ترتبط بالمجموعات الوطنية، بينما تسمية مرشّحي لجنة القانون الدولي تتم بواسطة الحكومات. والمشترك بين الملفين هو السؤال عن كيفية ممارسة الصلاحية، وعن الوثائق التي تتيح مراقبتها.

حكومة سلام أمام امتحان الوثائق

يكتسب الملف ثقلاً سياسياً إضافياً في عهد رئيس حكومة ارتبطت مسيرته بالقانون الدولي والقضاء الأممي. وهذه الخلفية ترفع سقف التوقعات بشأن شفافية الاختيار واحترام اختصاص المؤسسات.

لكن المواد المتاحة لا تثبت أن نواف سلام فرض ترشيح عيسى شخصياً، ولا أن الاختيار حُسم باعتبارات طائفية. تبقى هذه ادعاءات تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا ضرورة لتحويلها إلى وقائع كي تصبح القضية جديرة بالمساءلة.

فالترشيح الرسمي، مقروناً بالأسئلة النيابية عن المعايير وتضارب المصالح، يكفي لطلب كشف كامل لمسار القرار. كما أن الجدول الأممي يحدد الانتخابات في عام 2027، لولاية تبدأ في 1 كانون الثاني 2028، مع انتهاء مهلة تقديم الأسماء في 1 حزيران 2027؛ ما يعني أن الوقت متاح لمراجعة الإجراءات وإظهار أسباب الاختيار.

ويطلب منيمنة اعتماد آلية موحّدة تشمل الإعلان عن الشواغر، ونشر المعايير، وتشكيل لجنة مستقلة من قضاة وأكاديميين، ونشر لائحة المرشّحين المؤهلين. كما يطلب كشف جميع الترشيحات الدولية التي قدّمتها الحكومة منذ تشكيلها والآلية المتبعة في كل منها.

هذه المطالب تنقل القضية من سجال حول شخص إلى اختبار لطريقة عمل الدولة. والجواب الحاسم يبدأ بنشر قرار ترشيح عيسى، وملف مؤهلاته، وأسباب اختياره، وضمانات الفصل بينه وبين إدارة حملته.

 

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى