أحوال الموحدين

من التخوين إلى طلب الحوار: مناورة دمشق الإعلامية نحو السويداء تصطدم بدماء الموحدين وحتمية الحساب

إعداد أحوال ميديا

تأتي تصريحات الإعلامي المقرب من المنظومة الحاكمة في دمشق، موسى العمر، والتي دعا فيها بأسلوب مفاجئ إلى «الجلوس مع السيد الهجري» للوصول إلى حلول بخصوص ملف السويداء، لتكشف عن عمق الإرباك السياسي والانسداد الميداني الذي يواجه سلطة الأمر الواقع. ولم تكن هذه الدعوة، التي أثارت موجة استنكار واسعة لافتقارها إلى الأدبيات المعتمدة، عبر استخدام صفة «السيد» بدلًا من اللقب الروحي والجامع «سماحة الشيخ» حكمت الهجري، مجرد زلة لسان عابرة، بل جاءت لتجسد حالة السطحية والجهل ببروتوكولات الخطاب الديني لدى بوق إعلامي طالما تزعم حملات التحريض والتخوين. فالشخصية ذاتها التي أدارت على مدار أشهر فرقًا إعلامية وحسابات وهمية لبث الخطاب الطائفي وشيطنة الجبل ومرجعيته الروحية، تسعى اليوم لتقديم دعوات تتظاهر بالمرونة والعقلانية، في تحول ظاهر لا يعكس صحوة ضمير، بل يمثل مناورة مكشوفة لامتصاص الضغوط المتزايدة.

ويرتبط هذا التراجع التكتيكي بأزمة معقدة تخنق الحكام الجدد في العاصمة؛ إذ أدّى انقطاع التدفقات المالية الخليجية واصطدام السلطة بشرط دولي وإقليمي صارم — تقوده قوى عظمى، وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة وحلفاؤهما في المنطقة — يجعل أي تعاطٍ أو اعتراف سياسي مشروطًا بالإنهاء الفوري للانتهاكات بحق طائفة الموحدين الدروز وحل ملف السويداء بشكل جذري، إلى وضع هذه المنظومة في زاوية العزلة المطلقة. غير أن هذه المحاولات للالتفاف على الواقع تصطدم بجدار صلب من الوقائع الميدانية؛ إذ كيف يمكن فتح أبواب التفاوض على أرض خضبت بدماء أكثر من 4000 شهيد، وشهدت تهجيرًا قسريًا لما يزيد على 150 ألف مدني، وإحراقًا وتدميرًا لـ35 قرية لا تزال تخضع لسيطرة القوات الغاصبة حتى اليوم؟ إن الذاكرة الجمعية لأهالي الجبل والمرجعية الروحية لا يمكن أن تتجاوز مشاهد التشفي وتوثيق الانتهاكات، من حلق شوارب الشيوخ أمام الكاميرات، والدوس على العمائم الشريفة والرموز الدينية، إلى إحراق المجالس وإخفاء جثامين الضحايا من النساء والأطفال في مقابر جماعية مجهولة، فضلًا عن وجود مئات المعتقلين والمغيبين قسرًا في أقبية السجون، واستمرار الحصار الجائر الممتد لأكثر من 14 شهرًا، منذ حملات التطهير العرقي في تموز العام الفائت.

وأمام هذه التضحيات، حسم الشيخ الهجري وأولياء الدم موقفهم بالرفض القاطع لإعادة إنتاج أدبيات «الذمية» أو تقديم «ورق حسن سلوك» لأي تيار متطرف يستنسخ نهج التوحش والتكفير، سواء تمثل في قادة هذا النهج أو من سبقهم عبر التاريخ، كـ«محمد باشا السفاح».

ويستند هذا الموقف الصلب إلى جغرافيا تاريخية ضاربة في القدم؛ فالمرجعية وأبناء الطائفة الذين قرروا إنهاء محنة عمرها ألف عام من الاستهداف، هم امتداد أصيل لمن تقدموا الجيوش في المحطات المفصلية لحماية المنطقة، بدءًا من دور الأمير شرف الدين برغش في طليعة قوات تحرير القدس إلى جانب صلاح الدين الأيوبي — على الرغم من الخسارة التاريخية التي لحقت بالتراث الفكري الفاطمي إبان حرق مكتبة «دار الحكمة» في مصر، بما حوته من مليون وستمائة ألف كتاب — وصولًا إلى حروب اللجاة التي قادها الشيخ إبراهيم الهجري ضد العثمانيين، مرورًا بنضالات المجاهد أبو غالب زيد الأطرش في صفوف جيش الإنقاذ العربي عام 1948، فضلًا عن نضالات عادل أرسلان في الحركة الوطنية العربية، وصولًا إلى الدور القيادي في دحر الاستعمار الفرنسي عن سوريا ولبنان، الذي قاده سلطان باشا الأطرش والمجاهد شكيب وهاب، والدور العروبي لكمال جنبلاط.

إن شعور أهالي السويداء بالخذلان العربي والإسلامي الشديد أمام الجرائم المرتكبة بحقهم جعل من فكرة الحوار من دون ضمانات دولية صارمة وتفكيك شامل للمنظومة التكفيرية المحيطة بمناطقهم أمرًا غير قابل للطرح. ومع استمرار الصمود الشعبي والديني في الجبل، يتضح أن محاولات المناورة الإعلامية لن تنقذ السلطة الحاكمة في دمشق من مأزقها السياسي والاقتصادي، وأن زوال هذه المنظومة بات حتمية تاريخية وعدالة إلهية موجبة لكل من تورط في الإبادة والتهجير وسفك الدماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى