بالتزامن مع الذكرى الأولى للمجازر التي شهدتها السويداء، والتي راح ضحيتها أكثر من 1700 شخص – إضافة إلى إصابة أكثر من 2000 آخرين -، ومع محاولة السلطات الانتقالية امتصاص آثار هذه الذكرى ولملمة أوراقها عبر الإعلان عن بدء محاكمة أشخاص قالت إنهم «مُتّهَمون بارتكاب انتهاكات»، خرج المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق وسفير واشنطن في تركيا، توماس برّاك، بتصريحات أعلن خلالها دعمه لتلك المحاكمات. وقال برّاك، في منشور عبر حسابه على موقع «إكس»، إن «المُساءلة هي حجر الزاوية في المصالحة. التقارير التي تفيد بمثول المتّهَمين بارتكاب الفظائع المروّعة في السويداء أمام العدالة تمثّل تطوراً مهماً على طريق استعادة الثقة في المؤسسات الحكومية السورية»، مضيفاً أن بلاده «تشيد بالحكومة السورية لمتابعتها مسار المُساءلة والعمل على تعزيز إعادة توحيد البلاد». كما اعتبر أن مستقبل السويداء يكمن ضمن «سوريا ذات سيادة»، يكون فيها الدروز مكوّناً أساسياً في دولة «تتجاوز النزاع وتتّجه نحو السلام والاستقرار والازدهار». وإلى جانب منشوره المتقدّم، شارك المبعوث الأميركي تصريحات أدلى بها المتحدّث باسم «لجنة التحقيق الوطنية في أحداث السويداء»، المحامي عمار عز الدين، قال فيها إن وزارة العدل، بالتنسيق مع اللجنة، بدأت الإجراءات القضائية في حق عدد من الأشخاص المُتّهَمين بالتورّط في الأحداث التي شهدتها المحافظة.
وجاءت تصريحات برّاك بالتوازي مع الضغوط الأميركية المستمرّة من أجل توقيع اتفاق أمني بين تل أبيب ودمشق، لا تزال الأخيرة ترهنه بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من المناطق التي سيطر عليها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك الموقَّعة عام 1974 كأساس للاتفاق الأمني. غير أن ملفّ السويداء، التي تعيش تحت «إدارة ذاتية» مدعومة من إسرائيل، يشكّل بدوره عقبة أمام هذا الاتفاق، في ظلّ تبنّي مَن يقود الإدارة حالياً (الشيخ حكمت الهجري) مشروع الانفصال عن سوريا، وإعلانه المستمرّ ربط مستقبل السويداء بإسرائيل، وإصرار الرئيس السوري الانتقالي في المقابل على فرض سيادة مركزية على المحافظة. ومنذ وقوع المجازر التي ارتكبتها فصائل عشائرية تابعة لوزارة الدفاع ورديفة لها، شهدت السوداء تغييرات عديدة، أبرزها إنهاء الحالة الفصائلية التي كانت تعيشها، وتوحيد هذه الفصائل ضمن هيكلية موحّدة أُطلق عليها «الحرس الوطني»، إضافة إلى تشكيل إدارة محلية، في وقت فرضت فيه السلطات الانتقالية حصاراً مُطبقاً على المحافظة، وسمحت بتمرير شحنات مساعدات إليها بين وقت وآخر.
ووسط هذه الظروف، يمكن النظر إلى تصريحات برّاك باعتبارها جزءاً من أدوات الضغط الأميركية من أجل إيجاد صيغة تسوية لقضية السويداء، خصوصاً أن انتقادات عديدة طاولت لجنة التحقيق التي شكّلتها السلطات للتحقيق في المجازر التي شهدتها المحافظة، وشكّكت في نتائجها باعتبار أن الحكومة طرف في الأحداث، ولا يمكن لها أن تكون محايدة، فضلاً عن ما يولّده استمرار الخطاب التحريضي ضدّ الدروز من علامات استفهام. وجاء إعلان براك تزكية المحاكمة، وعدّه إياها خطوة على طريق حلّ مسألة السويداء، وتجديد دعمه المسار الحالي للسلطات الانتقالية، على وقع جملة من التطوّرات والديناميات الإقليمية، من بينها الدفع الأميركي المستمرّ نحو انخراط سوري أوسع في الملف اللبناني، ولعب دور في الحرب على «حزب الله»، وذلك بعد أن أصبح الشرع الشريك المفضّل بالنسبة إلى واشنطن في المنطقة، والذي قامت الولايات المتحدة، من أجل إتمام الشراكة معه، بسحب دعمها لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي أجبرتها على فرط «إدارتها الذاتية».
من جهتها، تَنظر إسرائيل إلى ملف السويداء باعتباره «نجاحاً غير مسبوق» على الساحة السورية – استطاعت تحقيقه بذريعة «حماية الدروز» -، وهو ما يُستبعد أن تفرّط فيه بسهولة. ويفرض ذلك، النظر إلى ردّة الفعل الإسرائيلية على التصريحات الأميركية الأخيرة، قبل قراءة نتائج هذه التصريحات ومدى فعّاليتها في إعادة السويداء إلى كنف سلطة دمشق، وهو ما يبدو أن واشنطن تأمل تحقّقه باعتباره خطوة على طريق التطبيع بين حليفها الجديد في المنطقة (سوريا) وحليفها الأكبر (إسرائيل).



