
تتجاوز المقاربة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط الأنماط التقليدية القائمة على محاولات إسقاط النفوذ الإيراني بالقوة العسكرية المباشرة، لتنتقل إلى استراتيجية أكثر عمقاً تعتمد “الاستبدال الجغرافي والاقتصادي” في معركة كسر عظم حقيقية حول هندسة الخرائط الإقليمية.
وبعد عقود شكلت فيها طهران ممراً برياً وعسكرياً متصلاً يبدأ من أراضيها مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان والبحر المتوسط—ممثلاً شبكة نفوذ متكاملة من السلاح، والطاقة، والتحالفات الأمنية—تسعى واشنطن اليوم، عبر مهندس ملفاتها الإقليمية توم باراك وفريق الرئيس ترامب، إلى قلب هذه المعادلة رأساً على عقب. والهدف هو تحويل هذا المحور الإيراني إلى ممر بديل يربط تركيا بسوريا ثم العراق وصولاً إلى الخليج العربي، ما يعيد صياغة المنطقة كجسر اقتصادي وتجاري يمتد من أنقرة إلى عواصم الخليج برعاية غربية.
وتتجلى ملامح هذه الهندسة الجغرافية في تركيز الصلاحيات بيد المبعوث الأمريكي توم باراك، الذي يدير ملفات تركيا وسوريا والعراق معاً كفضاء جغرافي واحد منسق لمنع الفوضى وضمان الترابط اللوجستي.
البداية العملية لهذا المخطط انطلقت من دمشق، حيث يُعد أحمد الشرع (الجولاني)، رئيس سلطة الأمر الواقع في دمشق عقب سقوط الدولة السورية في أواخر عام 2024، المفتاح السوري والوظيفي المطلوب لإعادة توحيد سوريا تحت سلطة مركزية— ما فسر التخلي الأمريكي عن حلم الإدارة الذاتية لقوات “قسد”—وإغلاق البوابة السورية بوجه الإمدادات الإيرانية، وتحويل العاصمة السورية إلى حلقة مرتبطة بالغرب والخليج.
لكن إغلاق الشريان السوري لا يكتمل دون تفكيك العقدة العراقية الأكثر حساسية؛ وهنا يأتي دور رئيس مجلس الوزراء العراقي الحالي، علي فالح كاظم الزيدي، الذي تسلّم منصبه رسمياً في 16 أيار /مايو 2026 بعد نيل حكومته ثقة مجلس النواب. وتسعى واشنطن، عبر اتفاقيات ضخمة في قطاعات الغاز والنفط مع شركات أمريكية عملاقة مثل شيفرون وجنرال إلكتريك، إلى جذب بغداد نحو حاضنة استثمارية غربية وخليجية تبعدها تدريجياً عن الارتباط العضوي بطهران، وهو ما عكسه بوضوح حديث دونالد ترامب للزيدي عن منحه “دوراً إقليمياً كبيراً” ليكون الركيزة العراقية للمشروع الجديد.
ومع ذلك، فإن هذا التوظيف لـ “الشرع” يفتح الباب أمام السؤال الأكثر إلحاحاً وخطورة: هل تقبل قوى بحجم الصين وروسيا وإيران ببقائه في المشهد السوري على المدى الطويل؟ من المنظور الاستراتيجي، يُعد الجولاني رقماً صغيراً ومؤقتاً في حسابات الكبار، ومن المستبعد تماماً أن تبتلع موسكو وبكين وطهران وجوده المستمر الذي يهدد مصالحها الوجودية في شرق المتوسط. وفي الوقت ذاته، تتقاطع المصالح الخليجية بشكل لافت مع روسيا والصين نتيجة مخاوف الخليج العميقة من التمدد التركي المتسارع في المنطقة، وتوجسها من الأطماع الإسرائيلية التوسعية. هذا التخوف يدفع دول الخليج إلى البحث عن هوامش توازن استراتيجي مع المعسكر الأوراسي لمنع التفرد بالمنطقة.
وتتبدى ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية علناً في التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترامب عبر شبكة “فوكس نيوز”، والتي أعلن فيها أنه يدرس منح الرئيس السوري أحمد الشرع “الضوء الأخضر” للتدخل عسكرياً في لبنان للتعامل مع ملف حزب الله. واعتبر ترامب أن تدخل الشرع سيكون مختلفاً وأقل دماراً مقارنة بالأسلوب الإسرائيلي، لكونه يكره رؤية دمار البنية التحتية والمباني السكنية، لافتاً إلى أن الشرع قد يتولى الأمر بطريقة “أكثر دقة”، ومكتفياً بالقول إنه “يفكر في الأمر” عندما سُئل عما إذا كان الشرع يحتاج موافقة أمريكية للتحرك.
ورغم أن دمشق كانت قد نفت سابقاً عبر قناة “i24NEWS” تفسير هذه الأطروحات كضوء أخضر لعمل عسكري، مؤكدة أن دورها ينحصر في مساعي التهدئة ووقف الحرب وتجنب أي تحرك عسكري داخل الأراضي اللبنانية، إلا أن تصريحات ترامب الأخيرة تكشف بوضوح عن سعي واشنطن لقيادة المشهد من الخلف عبر وكلاء محليين لتجنيب إسرائيل الكلفة البشرية والسياسية المباشرة. ويتقاطع هذا المسار مع الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل المبرم في واشنطن لانتشار الجيش اللبناني حصراً ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، والذي جاء كرد فعل على انهيار تفاهمات يونيو 2026 المؤقتة بين طهران وواشنطن.
ومع إغلاق هذه المنافذ البرية والاقتصادية، انتقل الصراع سريعاً إلى ممرات الطاقة والملاحة الدولية في مواجهة وجودية لا يمكن لإيران أن تقف فيها مكتوفة الأيدي؛ حيث انعكس هذا الاختناق الجيوسياسي في إغلاق مضيق هرمز واندلاع معارك بحرية شرسة فيه ضد القوات الأمريكية، بالتوازي مع قصف إيراني مكثف استهدف قواعد واشنطن والمرافق الحيوية التابعة لها في دول الخليج كالكويت وبغداد والمنامة وعُمان، رداً على الغارات الأمريكية الموسعة في العمق الإيراني.
وفي هذا السياق الملتهب، تتسارع التحضيرات الميدانية لدخول اليمن بشكل كامل في أتون التصعيد الشامل، مع التخطيط لمعارك بحرية حاسمة في مضيق باب المندب وتوجيه ضربات صاروخية دقيقة في العمق السعودي لتعطيل الممرات المائية والبرية البديلة وشل الاقتصاد العالمي كأوراق ضغط قصوى لمنع استكمال الخناق الجغرافي.
وفي المقابل، فإن الدعم اللوجستي والسياسي الكبير الذي تتلقاه طهران من روسيا والصين ودول أوراسيا يؤكد أن هذه القوى لن تسمح بفرض واقع أمريكي أحادي. فنجاح المشروع الأمريكي يعني حرمان الصين من بوابة حيوية لطريق “الحزام والطريق” في العراق، وتهديد القواعد العسكرية والاستراتيجية الروسية في طرطوس وحميميم، فضلاً عن فرض سيطرة أمريكية مطلقة على مسارات الطاقة العالمية ومحاصرة الفضاء الأوراسي بأكمله. لذلك، فإن الصمود العسكري الإيراني في مضيق هرمز والردع الإقليمي يأتي بغطاء أوراسي صلب يسعى لتعطيل خرائط واشنطن وإفشال عزل طهران.
وحيث إن المحور الذي تقوده إيران قدم تضحيات جسيمة وحرباً مريرة امتدت لسنوات للحفاظ على شريان طهران-بيروت، واليوم يجد نفسه أمام منعطف تاريخي؛ فإذا استمر إغلاق البوابة السورية ونفذ رئيس الحكومة العراقية التزاماته الاقتصادية والنفطية أمام الإدارة الأمريكية، فإن إيران تخسر عملياً ما قاتلت للحصول عليه منذ عام 2003.
ومع ذلك، فإن نجاح الخريطة الأمريكية الجديدة ليس حتمياً بأي حال؛ فأحمد الشرع/الجولاني يواجه خطر السقوط السريع والإنهاء بمجرد انتهاء صلاحيته الوظيفية أو عبر توافق روسي-إيراني-صيني صارم، كما أن الزيدي يقف فوق توازنات داخلية عراقية بالغة التعقيد، بينما تثبت الممرات المائية المشتعلة أن فرض واقع جغرافي جديد في الشرق الأوسط قد يمر أولاً عبر حرب إقليمية شاملة لا تضمن واشنطن نتائجها النهائية.



