
منذ فوزها بملف استضافة كأس العالم 2026 رفقة كندا والمكسيك، اعتبرَ الكثير من المراقبين أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستستخدم المونديال كقوة ناعمة على الساحة العالمية. لكن ما حدث كان مغايراً تماماً، إذ سحبت بلاد «العم سام» أسلوبها التعسفي في السياسات الخارجية إلى المونديال، مفضّلةً القوة الاقتصادية والعسكرية الخشنة على نظيرتها الناعمة
يمثّل كأس العالم لكرة القدم حدثاً ترفيهياً استثنائياً بالنسبة إلى المشجعين، بينما يُشكّل بالنسبة إلى الدول المُضيفة في كثيرٍ من الأحيان دفعة قوية للقوة الناعمة، حيث تستثمر الحكومات في كرة القدم لتحقيق مكاسب خارج الملعب أيضاً، من خلال تعزيز العلاقات، وجذب الاستثمارات، واكتساب مكانة عالمية مرموقة.
ظهر ذلك على امتداد السنوات وتجلّى في النسخ المونديالية القليلة الماضية، إذ كان أحد الأهداف من بطولة البرازيل 2014 هو إبراز صورتها كقوة صاعدة، كما قامت روسيا بتخفيف قيود التأشيرات في عام 2018 لإظهار صورتها كقوة عظمى عالمية منفتحة ومرحبة. وكانت استضافة قطر لكأس العالم 2022 جزءاً من مشروعها الدبلوماسي طويل الأمد لترسيخ مكانتها كدولة حديثة.
تُفضّل الولايات المتحدة لغة القوة الصلبة على القوة الناعمة
وفي ظل تعاظم الصورة الاستبدادية للولايات المتحدة أمام الرأي العام العالمي على خلفية حربها غير القانونية والظالمة ضد إيران، ومطامعها الاستعمارية بفنزويلا وغرينلاند مع تعاظم دعمها العسكري والمالي لآلة القتل الإسرائيلية، كان من المرتقب أن ترتدي بلاد العم سام قناعاً أقل دموية طوال فترة المونديال، لكنها لم تفعل، إذ تشير المؤشرات الأولية إلى أن كأس العالم 2026 سيُقدّم لأميركا في عهد رئيسها دونالد ترامب جانباً استعراضياً – قمعياً يُبرز القوة والإقصاء والمصالح الخاصة على حساب أي شيء آخر.
توترات كبيرة
كان من المفترض أن يكون مونديال 2026 احتفالاً بالشراكة الأميركية الشمالية بين الدول المضيفة الثلاث: الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، لكن التوترات تصاعدت منذ أن فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على البضائع القادمة من كندا والمكسيك، مع تصريح الرئيس الأميركي المستفز بقوله إن الرسوم الجمركية ستجعل كأس العالم «أكثر إثارة»، مدعياً أن «التوتر أمر جيد».
جاءَ ذلك مع رفض تأشيرات دخول الكثير من مشجعي المنتخبات المتأهلة من إفريقيا، كما رُفضت تأشيرات دخول بعض أعضاء الجهاز الفني للمنتخب الإيراني ونُقل من معسكره التدريبي في الولايات المتحدة إلى المكسيك، توازياً مع منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول ميامي وخضوع المهاجم العراقي أيمن حسين للاستجواب لمدة سبع ساعات في مطار أوهير بشيكاغو، إضافة إلى منع مشجعين اسكوتلنديين من دخول أميركا، وتأخير تأشيرات منتخب المغرب…
هكذا، قدّمَ كأس العالم 2026 شيئاً مختلفاً عن النسخ السابقة، حيث قامَ بتهيئة الأجواء للتمجيد الذاتي بقيادة زعيم سياسي يُصوّر الانقسام والتوتر أساساً للتسلية، وهيئة حاكمة غارقة في المكاسب التجارية لدرجة أنها لا تُبالي بالانقسامات الاجتماعية التي تُحدثها.
ويمكن اعتبار سلوك الحكومة الأميركية تعبيراً مقصوداً عن توجهاتها في السياسة الخارجية أمام العالم، وعن قوتها أمام جمهورها المحلي، حيث يُستغل المسرح العالمي لإيصال رسالة مفادها أن الرقابة على الحدود تتشدد، وأن القرارات الرسمية أصبحت أكثر حدّةً، وأن الولايات المتحدة تُفضّل لغة القوة الصلبة على فوائد القوة الناعمة.



