
توقعات ضبابية: إلى أين يتجه الذهب؟
في ظلّ الاضطرابات الاقتصادية العالمية المتسارعة، عاد الذهب ليتصدر المشهد كأحد أبرز الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون بحثًا عن الأمان. مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلّب الأسواق المالية، يتجدّد النقاش حول دور هذا المعدن الثمين في حماية الثروات، وما إذا كان لا يزال يحتفظ بمكانته التقليدية كملاذ آمن في عالم يزداد تعقيدًا.
باتت النظرة إلى الذهب تختلف باختلاف الجهات الفاعلة في الاقتصاد. بينما تتعامل المصارف المركزية والمؤسسات الاستثمارية مع المعدن الأصفر كأداة استراتيجية ضمن سياسات إدارة الاحتياطيات، ينظر إليه الأفراد كوسيلة مباشرة للحفاظ على مدخراتهم في مواجهة التضخم وتراجع القدرة الشرائية.
في هذا السياق، يكتسب النقاش حول الذهب في لبنان بعدًا أكثر خصوصية، نظرًا للانهيار المالي الذي شهده البلد منذ عام 2019، وما رافقه من تآكل في قيمة العملة الوطنية وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي. وقد أعاد هذا الواقع تسليط الضوء على احتياطي الذهب كأحد أبرز عناصر القوة المتبقية في ميزان الدولة، وسط تساؤلات متزايدة حول كيفية التعامل معه.
بين الأرقام القياسية التي يسجّلها هذا الاحتياطي، والتباين في المقاربات حيال استخدامه، يبرز رأي الخبراء الاقتصاديين لتقديم قراءة أكثر توازنًا وواقعية.
وفي هذا الإطار، يقدّم الخبير الاقتصادي نسيب غبريل مقاربة تحليلية تضع الذهب في سياق مختلف، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد، في ضوء المتغيرات المحلية والدولية المتشابكة.
اختلاف في المقاربة
يوضح غبريل لـ “نداء الوطن”، أن “مسألة اعتبار الذهب ملاذًا آمنًا لا يمكن تناولها بمنظور واحد، إذ تختلف زاوية التقييم بين المؤسسات الاستثمارية والمصارف المركزية من جهة، وبين الأفراد من جهة أخرى. فالكميات التي تشتريها البنوك المركزية وصناديق الاستثمار تفوق بكثير تلك التي يشتريها الأفراد، ما يستوجب قراءة هذا الواقع ضمن سياق اقتصادي أوسع وأكثر دقة”.
في ما يتعلق بلبنان، يلفت غبريل إلى أن “الذهب لا يُعد مجرد ملاذ آمن فحسب، بل يشكّل جزءًا أساسيًا من احتياطي مصرف لبنان، الذي شهد ارتفاعًا كبيرًا في قيمته من نحو 13 مليارًا و900 مليون دولار في نهاية عام 2019 إلى 44 مليارًا و400 مليون دولار في منتصف نيسان من العام الحالي، أي بزيادة 30 مليارًا و500 مليون دولار، مع تسجيل مستويات قياسية وصلت إلى نحو 47.7 مليار دولار في نهاية شباط وفق أرقام المصرف المركزي”.
ويشير إلى أن “هذه الأرقام تعني عمليًا أن قيمة احتياطي الذهب باتت تتخطى حجم الاقتصاد اللبناني، إذ إنها بلغت 130 % من الناتج المحلي، وهذه أعلى نسبة على الاطلاق في العالم، وهو ما يعكس ثقلًا استثنائيًا لهذا الاحتياطي ضمن الاقتصاد الوطني”.
في المقابل، يلفت غبريل إلى “وجود تباين في الآراء حول كيفية التعامل مع هذا الأصل، بين من يدعو إلى الاستفادة منه ضمن إطار مدروس ومن دون المساس بجوهره، وبين من يعتبره احتياطيًا سياديًا غير قابل للمساس”.
يضيف: “لبنان، رغم الارتفاع الكبير في قيمة الذهب، لا يستفيد بشكل مباشر من هذه المكاسب على مستوى الدولة”.
اندفاع الأفراد نحو الذهب
على مستوى الأفراد، يوضح غبريل، أن “الإقبال على شراء الذهب ازداد في السنوات الأخيرة، ليس فقط عبر المجوهرات بل أيضًا عبر السبائك والأونصات، كوسيلة لحماية المدخرات في ظل التضخم المحلي وتراجع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل العملات الأساسية الأخرى، سواء في لبنان أو في الأسواق العالمية، مؤكدًا أن “الذهب يبقى أداة تحوّط أساسية تحافظ على القيمة في مواجهة تذبذب العملات”.
في ما يخص التوقعات المستقبلية، يشدّد غبريل على أنه “من غير الممكن تحديد اتجاه واضح لأسعار الذهب، نظرًا لارتباطها بمجموعة واسعة من العوامل المتحركة، أبرزها التطورات الجيوسياسية، وتقلبات سعر صرف الدولار، وسياسات المصارف المركزية، إضافة إلى المتغيرات الاقتصادية العالمية التي تؤثر بشكل مباشر على حركة الأسواق”.
في المحصلة، يتبيّن أن الذهب يحتفظ بدوره كأداة تحوّط أساسية، لكنه ليس حلًا سحريًا في حدّ ذاته، بل هو عنصر ضمن منظومة اقتصادية ومالية أشمل. في حالة لبنان، يكتسب هذا المعدن أهمية مضاعفة كجزء من الاحتياطي السيادي، إلا أن الاستفادة منه تبقى مرهونة بوجود رؤية واضحة وإدارة رشيدة توازن بين الحفاظ عليه كضمانة وطنية وبين توظيفه ضمن استراتيجيات مدروسة تخدم الاستقرار الاقتصادي.
بالنسبة الى الأفراد، يبقى الذهب خيارًا تقليديًا لحماية المدخرات في أوقات عدم اليقين، من دون أن يلغي ضرورة التنويع وتقدير المخاطر. وبين تقلبات الأسواق والعوامل الجيوسياسية المتغيرة، سيظل مسار الذهب مرتبطًا بتوازنات دقيقة، ما يجعل التعامل معه يتطلب مقاربة واعية تقوم على قراءة واقعية للمعطيات، بعيدًا من المبالغة أو الرهان المطلق عليه.



