
بغضّ النظر عن مآلات الجولة الثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، والتي ترجّح التقييمات عجزَها عن ردم الهوّة بين مواقف لا تزال متباعدة، بما يعني ترحيل الحسم إلى جولات لاحقة أكثر واقعية، فإن المشهد الاستراتيجي من منظور النخبة الإسرائيلية لا يُنبِئ بتحوّل جوهري، بقدر ما يشي بأن أيّ تسوية مُحتملة لن تكون مؤاتية لمصالح إسرائيل الاستراتيجية، وقد تنطوي على تهديدات هيكلية تفوق ما قد توفّره من فرص مؤقّتة. والواقع أن هذا التقدير لا ينبع من موقف مؤيّد أو معارض للمفاوضات، إنما من قراءة باردة لمتغيّرات موازين القوى، وما قد يتيحه أيّ اتفاق، حتى وإن كان مرحلياً، من نتائج وإمكانات للنظام الإيراني، خصوصاً أن تل أبيب تجد نفسها خارج دائرة التأثير في مسار المفاوضات. وهكذا، تتعمّق الفجوة بين السردية الرسمية التي تروّج لاستمرار الإمساك بزمام المبادرة وتحقيق إنجازات استراتيجية، وبين القراءة السائدة في الأوساط الأمنية والبحثية ووسائل الإعلام العبرية، التي تركّز على استبعاد إسرائيل من التشاور الاستراتيجي في شأن المفاوضات، وحجب التحديثات المباشرة المتعلّقة بسير اللقاءات التفاوضية عنها، في ما يعكس تحوّلاً في مستوى تأثيرها على قرار الإدارة الأميركية.
ويضع ذلك الواقع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة جديدة، مفادها أن أمن الكيان الاستراتيجي بات مرتبطاً بتوجّهات قوة عظمى تدير علاقتها مع إيران وفق حسابات مصالحها الكبرى وسعيها لتقليل المخاطر إلى الحدّ الأدنى، لا وفق رغبات إسرائيل وتطلّعاتها فحسب. وفي هذا السياق، يبدو الخطاب الرسمي المتكرّر حول الجاهزية للعودة إلى القتال في حال انهيار المفاوضات، بعيداً عن التقديرات السائدة داخل النخبة، التي ترجّح أن يتّجه المسار الدبلوماسي نحو صيغة توافقية، مستندةً إلى أن كلّاً من واشنطن وطهران تدركان أن العودة إلى المواجهة المباشرة لا تخدم مصالحهما في المرحلة الراهنة. ويرى هؤلاء أن المعركة تحوّلت إلى عملية تفاوضية مركّبة، يسعى خلالها كلّ طرف إلى تحقيق أقصى المكاسب ضمن آليات التفاوض، وهو ما يفسّر الاستعراضات الميدانية المتواصلة والتصعيد اللفظي المتنامي.
وإذا كانت الجولة الأولى قد انتهت إلى فشل متوقّع نتيجة ارتفاع سقوف المطالب، فإنها أدّت دوراً تمهيدياً أتاح اختبار مرونة الأطراف، وهيّأ الأرضية للجولة الراهنة التي تشهد تراجعاً تدريجياً عن بعض الثوابت الخطابية المتشدّدة. ولا يعكس هذا التحوّل تغييراً في الأهداف الاستراتيجية، بقدر ما يعكس إدراكاً أميركياً وإيرانياً لكون التفاوض، وإن طال أمده، يبقى الخيار الأقلّ كلفة، خصوصاً في ظلّ عجز الطرف الأقوى عسكرياً، أي الولايات المتحدة، عن حسم المعادلة، وعدم رغبته في تحمّل أعباء قتال إضافي. ومن هنا، تشير تحليلات النخبة الإسرائيلية، في المرحلة الراهنة التي تسبق توقيع أيّ اتفاق مُحتمل أو الانتقال إلى سيناريوات تصعيدية لا تحظى بتأييد واسع، إلى أن المفاوضات مُرشّحة للاستمرار لفترة أطول، بالتوازي مع تمديد وقف إطلاق النار تبعاً لذلك» كما ترجّح حصول تراجع تدريجي عن بعض نقاط الخلاف العالقة، من دون انتظار التوصّل إلى اتفاق شامل خلال هذه الجولة.
تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى التكيّف مع معادلة تؤجّل التهديد الإيراني من دون إنهائه
وفي محاولتها استشراف تداعيات هذا المسار، تنشغل النخبة الإسرائيلية بمراجعات نقدية صريحة للرعونة التي شابَت القرارات التي قادت إلى الحرب، وحالت دون تحقيق الأهداف المُعلَنة لها. ويبرز، في هذا الإطار، سؤال محوري مفاده: هل أسهمت الحرب، بدلاً من تشكيلها عاملاً حاسماً في إضعاف النظام الإيراني أو تسريع تفكّكه الداخلي، في تعزيز تماسكه، وإخراجه أكثر استقراراً وقدرةً على الصمود ممّا كان عليه قبل المعركة؟ وتندرج تحت ذلك التساؤل مجموعة من التقديرات الفرعية التي تشير إلى أن النظام الإيراني – بدلاً من مواجهة العزلة والضغوط الاقتصادية بفعل الحرب، والتي كان مُعوّلاً عليها أن تقود إلى انهياره تدريجياً -، بات أمام فرصة لترسيخ موقعه، مستفيداً من المسار التفاوضي الذي يمنحه هامشاً من التنفّس المالي والسياسي، وحصانةً من خيارات عسكرية كانت ستشكّل «مصدرَ قلق» له. كما تفيد هذه القراءات بأن أيّ اتفاق، حتى وإن كان جزئياً، قد يشكّل منفذاً اقتصادياً يتيح لطهران تدفّقات نقدية يمكن توظيفها في تعزيز الاستقرار الداخلي وإعادة تأهيل البنى التحتية للصناعات العسكرية.
وفي المُجمل، تذهب تحليلات النخبة الإسرائيلية إلى أن الحرب، التي كان يُفترض بها أن تحسم ملفَّي البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي المرتبطَيْن بإيران، انتهت إلى تكريس واقع مختلف، أفرز نظاماً إيرانياً أكثر حذراً وتنظيماً لأولوياته ضمن إطار تفاوضي يضمن استمراريته، فضلاً عن كشفها مكامن قوةٍ وتأثيرٍ إقليمي ودولي (مضيق هرمز) لصالح طهران. وإذ تجد إسرائيل نفسها، والحال هذه، مضطرّة إلى التكيّف مع معادلة جديدة، هي في الحدّ الأدنى تؤجّل التهديد الإيراني من دون إنهائه، وربّما تمهّد لتعاظمه مستقبلاً، تشدّد بعض التقييمات التي صدرت في الأيام الماضية، على ضرورة أن تعاين تل أبيب الفجوة بين قدراتها وحدود فعّاليتها الاستراتيجية، ولا سيما عندما تتحرّك بمعزل عن غطاء دبلوماسي أوسع أو تحالفات إقليمية ودولية. ولعلّ تلك الخلاصة تعبّر عن أحد أبرز تداعيات الحرب، التي كشفت حدود قوة إسرائيل، حتى في ظلّ مساندة الراعي الأكبر – أميركا – لها.


