مجتمع

أكثر من 95 جثة مجهولة الهوية: عدد المفقودين أكبر من المُعلَن

زينب حمود - الاخبار

برزت بعد المجازر التي ارتكبها العدو الإسرائيلي على امتداد الأراضي اللبنانية أول من أمس أزمة المفقودين؛ بين العالقين تحت الأنقاض، والأشلاء والجثث المُقطّعة والمُشوّهة، إضافةً إلى مئات الجرحى الذين يخضعون لعمليات جراحية، من دون التعرّف إلى هوياتهم.

وفقاً لآخر حصيلة رسمية أعلنها وزير الإعلام بول مرقص أمس، يبلغ عدد المفقودين 33 شخصاً. غير أن الأرقام الفعلية أكبر من ذلك، نظراً إلى عدم تواصل عدد كبير من أهالي المفقودين مع وزارة الصحة وتسجيل بياناتهم، عدا «وجود نحو 95 جثة في برادات مستشفى رفيق الحريري لم يتم التعرف إلى هويات أصحابها حتى ظهر أمس»، كما أفادت مصادر المستشفى «الأخبار».

يشكو رئيس مركز بيروت الإقليمي في الدفاع المدني زياد عيتاني من«ضياع الطاسة»، نتيجة تدخّل أكثر من جهة في عمليات الإنقاذ والإسعاف. حالة الضياع هذه تبدو أكثر وضوحاً لدى أهالي المفقودين والفرق الطبية والإسعافية، عند باب مستشفى رفيق الحريري الذي «يستقبل نحو 90% من الشهداء، بعدما وسّع برادات الموتى»، وفقاً لرئيس مركز الضاحية الإقليمي في الدفاع المدني سعد الأحمر.

مع وصول الجثث من دون أوراق ثبوتية إلى المستشفى، يحاول المعنيون «مطابقتها مع مواصفات المفقودين» التي يسجّلها الأهالي لديهم. وهو أمر ليس بالسهل، نظراً إلى حال الجثث التي تصل، ما يصعب إقفال ملف المفقودين قبل إجراء فحوص الحمض النووي (DNA).

ينظر ابن المفقودَيْن في كيفون، أنور رميتي وزوجته فاطمة عنان، منذ الصباح إلى العديد من الجثث في برادات الموتى، حتى فقد الأمل بالوصول إليهما من دون إجراء فحص الحمض النووي، لـ«أن الجثث كانت في حالة سيئة جداً، بعضها محروق، وبعضها الآخر بلا رؤوس»، كما يُنقل عن معنيين.

أصلاً، لا يعرف هذا الشاب إن كان والداه لا يزالان تحت الأنقاض أو نُقلا إلى المستشفى. لكنه بعدما تواصل مع مختار البلدة، وعرف منه أن أعمال الإنقاذ والبحث انتهت في كيفون قبل وصول أي خبر عن والديه، لكنّ «فريقاً من الدفاع المدني سيكشف مرة ثانية إن كان هناك عالقون على الأسطح»، ارتفعت لديه حظوظ فرضية نقلهما إلى المستشفى. غير أنه لا يعرف، هل هما في برادات الموتى؟

أو يخضعان لعمليات؟ لذا، يناشد الجهات الرسمية «التواصل معنا وإخبارنا عن مواصفات الجرحى، علّنا نصل إلى أهالينا». ويروي لـ«لأخبار» أن المفقوديْن، النازحيْن من الضاحية الجنوبية لبيروت، كانا يمارسان طقوسهما اليومية بالتوجه إلى الجامع للصلاة ثم المشي بعدها إلى المنزل، عندما وقعت الغارة.

حالة ضياع وتخبّط نتيجة تدخّل أكثر من جهة في عمليات الإنقاذ والإسعاف

في السياق نفسه، يتحدّث حسين غدار عن فشل جميع محاولات الوصول إلى صديقه علي سرور (17 عاماً)، المفقود في الغارة على منطقة المنارة في بيروت، بعد إيجاد والدته وعمته شهيدتين، وانتشال والده جريحاً. ويقول: «نظرنا إلى أكثر من 50 جثة من دون فائدة، ولم نحصل حتى الساعة على أي خبر عن علي». لا يعرف حسين وأبناء عم علي الذين يبحثون عنه أيضاً الوجهة الصحيحة لإيجاده، «سواء أكان لا يزال تحت الأنقاض أم تمّ سحبه إلى أحد المستشفيات من دون علمنا. يقولون لنا إنهم أنهوا عمليات البحث في مكان الغارة، لكنّ فوج الإطفاء توجّه ثانيةً للبحث عنه»، يروي حسين.

حي السلم: حصة الأسد
تتوزّع خريطة المفقودين على أكثر من منطقة. لكن يبدو أن حي السلم المُكتظّ بالسكان، والذي تعرّض لخمس ضربات، قد نال حصة الأسد من كارثة المفقودين. أمس، كان الدفاع المدني يبحث عن 17 مفقوداً في الضاحية والمتن الجنوبي، وحتى كتابة هذه السطور، كان الدفاع المدني قد نجح في «انتشال تسعة شهداء من حي السلم، مع بقاء ثمانية آخرين، موزّعين على حي السلم وبئر حسن والرحاب». ويشير إلى وجود «قرابة 81 شهيداً في هذه المنطقة التي تشمل الشويفات والأجنحة الخمسة وبشامون، ومع انتهاء الأعمال يتوقّع وصول الأعداد إلى أعتاب 100 شهيد في منطقة واحدة».

عند انتشال الجثامين من تحت الردم، يهبّ أهالي المفقودين وأبناء المنطقة للتعرف إليهم، مع أمل ضئيل بأن يكونوا ما زالوا أحياء بعد انقضاء أكثر من 24 ساعة على المجزرة. و«تنجح بعض العائلات مرات في التعرف إلى الجثامين، فيما يتم نقل الأخرى المجهولة الهوية إلى المستشفيات».

وفي مواقع الغارات، تحرس كل عائلة فقيدها في المكان المحتمل لإيجاده. ورغم قساوة الموقف، إلا أنه، وكما ينقل الأحمر، «الناس على الأرض أقوياء جداً وصابرون، وصحيح أن الدمعة لا تفارق أعينهم، لكن في أكثر من مرة طلبت منا عائلات أن نتوقف عن البحث عن معارفها، والتوجه إلى نقاط أخرى لنجدة أهالي مفجوعين آخرين، وقالوا لنا: ما بأثر اشتغلوا هونيك، وبعيدن بترجعوا لعنا».

ورداً على الشائعات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عن أن منطقة حي السلم متروكة بلا آليات إنقاذ، يؤكّد الأحمر أن «حي السلم أكثر منطقة أمّن فيها اتحاد بلديات الضاحية آليات للمساعدة، وتتعاون الجهات المختلفة من الجيش اللبناني والقوى الأمنية والجمعيات الإسعافية والإنقاذية هناك، كما في كل منطقة من أجل تسريع أعمال الإغاثة».

ويعيد صعوبة عمليات الإنقاذ في حي السلم تحديداً إلى «طبيعة المنطقة الضيقة، ففي نقطة السقوط في منطقة جامع العرب مثلاً، هناك بناء مُدمّر مُحاط بعدة أبنية، ما صعب علينا الوصول إليه بسهولة، لكننا أخيراً وصلنا إلى جميع النقاط». ويعزو أيضاً وجود المزيد من العالقين حتى الساعة إلى «بروتوكول الإنقاذ الذي يمنع استخدام الآلات الثقيلة حتى تمر 78 ساعة على المجزرة، ونفقد الأمل نهائياً من إخراج العالقين أحياء، لعدم تشكيل خطورة على حياة أيّ من العالقين».

وفي بيروت الإدارية، «لا تزال أعمال البحث عن المفقودين مستمرة في منطقتي عين المريسة وتلة الخياط، بينما تواصل الفرق إطفاء الحريق في محلة كورنيش المزرعة، أمّا في باقي النقاط، كما في الروشة، فقد أقفلنا ملفات الإنقاذ»، يقول عيتاني، الذي يتحدّث عن «تراجع تحدّيات الوصول وتنفيذ عمليات الإغاثة التي واجهناها في اليوم الأول بنسبة 80%».
وأخيراً، يشدّد الأحمر على أنه «لا يمكن الحديث عن مفقودين ما دامت أعمال الإنقاذ مستمرة حتى الساعة، وإنما عن عالقين تحت الأنقاض»، ما يعني استمرار ضياع أهالي المفقودين، حتى تُختتم أعمال البحث في مناطق الغارات، ولا سبيل أمامهم سوى الانتظار، قبل خوض رحلة فحوصات الحمض النووي المُعقّدة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى