بين العثمانية وإسرائيل والتدخل السوري : من يحمي 10452 كلم² من الضياع؟
بقلم: د. هشام الأعور

في لحظات الانهيار الكبرى، لا تتشظّى الدول فقط في اقتصادها ومؤسساتها، بل في وعيها أيضًا. يصبح الماضي ملاذًا للبعض، والارتهان للخارج مشروعًا للبعض الآخر، ويضيع الحاضر بين حنينٍ أعمى وخوفٍ مشلول. هكذا يبدو المشهد اللبناني اليوم: أصوات تستحضر السلطنة العثمانية، وأخرى لا ترى بأسًا في تسويق الاحتلال الإسرائيلي كخيار، وثالثة تستدعي سوريا – حتى بنسختها الجديدة تحت حكم أحمد الشرع – للتدخل في الشأن اللبناني.
لكن السؤال الجوهري ليس في تعدّد هذه الدعوات، بل في ما تكشفه: هل غاب الصوت الوطني فعلًا، أم أنه مُغَيَّب؟
لبنان، في جوهره، لم يكن يومًا مجرد ساحة تتنازعها القوى الخارجية. منذ نشأته الحديثة، وخصوصًا بعد الاستقلال اللبناني 1943، قام على فكرة دقيقة: توازن داخلي يحميه من الانزلاق إلى التبعية. لكن هذا التوازن لم يكن يومًا ثابتًا، بل هشّ، قابل للاهتزاز عند كل أزمة كبرى. وما نشهده اليوم ليس إلا تعبيرًا عن انهيار هذا التوازن، لا عن غياب فكرة الوطن نفسها.
الحنين إلى السلطنة العثمانية ليس حنينًا تاريخيًا بريئًا، بل هو تعبير عن عجزٍ في الحاضر. وكذلك الدعوة إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ليست واقعية سياسية بقدر ما هي استسلام مُقنَّع. أما استدعاء سوريا، أيًّا كان شكل نظامها أو اسم حاكمها، فهو إعادة إنتاج لمنطق الوصاية الذي دفع لبنان أثمانه لعقود. هذه الاتجاهات، رغم تناقضها الظاهري، تشترك في نقطة واحدة: جميعها تُسقط فكرة السيادة، وتتعامل مع لبنان ككيان ناقص يحتاج إلى وصي.
لكن الحقيقة الأعمق أن لبنان لم يسقط يومًا بسبب قوة الخارج، بل بسبب ضعف الداخل. الخارج لا يدخل إلا من أبواب مفتوحة، وهذه الأبواب هي الانقسام، والطائفية، وغياب مشروع وطني جامع.
الصوت الوطني في لبنان لم يمت. هو موجود، لكنه ليس صاخبًا. هو صوت الناس الذين يرفضون أن يكون بلدهم ساحة، ويريدونه وطنًا. هو صوت من يؤمن أن 10452 كلم² ليست مجرد مساحة جغرافية، بل معنى سياسي وسيادي لا يقبل القسمة أو الاستباحة.
غير أن هذا الصوت يواجه معضلة حقيقية: أنه غير منظّم، وغير ممثَّل سياسيًا بشكل كافٍ. ففي ظل نظام طائفي يُعيد إنتاج نفسه، تُختزل الوطنية في شعارات، بينما تُدار السلطة بمنطق المحاصصة. وهنا تكمن الأزمة البنيوية: لا يمكن لصوت وطني أن يرتفع داخل نظام يُكافئ الانقسام ويُعاقب الوحدة.
الدفاع عن كرامة اللبنانيين لا يكون برفض هذا الطرف الخارجي أو ذاك فقط، بل برفض المنطق الذي يجعل الخارج ضرورة. والسيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة: دولة قانون، لا دولة طوائف؛ دولة قرار، لا دولة تسويات.
لبنان لا يحتاج إلى وصي جديد، بل إلى وعي جديد. وعي يُدرك أن التاريخ لا يُستعاد، وأن الاحتلال لا يُجمَّل، وأن الوصاية – مهما تغيّر اسمها – تبقى وصاية.
في النهاية، ليست القضية أن هناك من يحنّ إلى الماضي أو يستقوي بالخارج، بل أن هناك من لم يؤمن بعد بأن هذا الوطن، بكل أزماته، يستحق أن يُبنى من داخله.
هنا يبدأ الصوت الوطني الحقيقي: ليس بالصراخ، بل بالفعل. ليس بالارتهان، بل بالتحرّر. وليس بالتنازل عن الأرض، بل بالدفاع عن كل شبر من الـ10452 كلم²، باعتبارها ليست مجرد حدود، بل كرامة وطن.



