
تواجه مناطق شمال وشرق سوريا، وتحديداً مدينتي الرقة ودير الزور، منزلقاً اقتصادياً واجتماعياً حاداً منذ سيطرة سلطة الجولاني .
بدأت ملامح الانهيار الخدمي والمعيشي تطفو على السطح بشكل لا يمكن تجميله ، حيث انتقلت المنطقة من استقرار نسبي كانت توفره مؤسسات الإدارة الذاتية إلى حالة من الشلل الوظيفي والفقر المدقع ، وسط عجز السلطة الحالية عن تقديم أي بدائل حقيقية لسد الفراغ الذي خلفه غياب الإدارة السابقة.
تشير الوقائع الميدانية إلى أن الأزمة الحقيقية تتجاوز ملف الانتهاكات الأمنية والاعتقالات لتضرب صلب “الأمن الغذائي والمعيشي”؛ فبعد سنوات من الدعم الإدارة الذاتية للمحروقات والخبز والكهرباء ، وتوفر رواتب مجزية كانت تبلغ في المتوسط 200 دولار شهرياً لعشرات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين ، يجد أهالي الرقة ودير الزور أنفسهم اليوم أمام واقع مرير.
فقد رفضت سلطة الجولاني تثبيت الكوادر الوظيفية السابقة ، بما في ذلك قطاع التعليم الذي شهد احتجاجات واسعة ، بالتزامن مع رفع الدعم الكلي عن وقود “الديزل” الذي يمثل عصب الزراعة والصناعة والمولدات الكهربائية، مما أدى إلى قفزات جنونية في الأسعار يعجز المواطن عن تحملها في ظل انعدام الدخل.
وفي ريف دير الزور الشمالي، تبرز مأساة 25 ألف موظف فقدوا مصدر رزقهم دفعة واحدة بعد تنصل سلطة الجولاني من التفاهمات التي طرحت سابقاً لتوحيد ضفتي المحافظة، وهي التفاهمات التي كانت تشترط ضمان حقوق هؤلاء الموظفين.
ويبدو اليوم أن هذا التعنت ، الذي تم برعاية إقليمية وخصوصا تركية ، قد وضع المنطقة في مهب الريح، حيث تحولت المدن التي كانت تنبض بالحركة التجارية والزراعية إلى مناطق منكوبة اقتصادياً، بينما تنشغل الآلة الإعلامية التابعة للسلطة بصناعة سرديات وهمية لتبرير العجز وتشويه مآسي السكان الذين باتوا يواجهون خيارات أحلاها مر.
لقد سقطت “شماعة قسد” التي كانت تُستخدم لتبرير أي خلل، وأصبحت السلطة المؤقتة اليوم في مواجهة مباشرة مع جمهورها الذي يراقب تآكل حقوقه الأساسية.
إن عجز سلطة الجولاني عن الوفاء بالتزاماتها الخدمية، ومحاولتها قمع أي صوت يطالب بالحقوق المعيشية عبر التهديد والتلويح بـ “عصا السلطان”، يجعل من الرقة ودير الزور مستنقعاً سياسياً واجتماعياً شديد التعقيد.
ومع استمرار تدهور الوضع الإنساني، تبدو السلطة الحالية كالرجل العاجز الغارق في وحله، غير قادرة على استيعاب خصوصية وتفاصيل هذه المناطق التي قد تشكل قريباً نقطة التحول الكبرى في مسار الصراع على الشرعية والوجود.



