منوعات

الجمهورية الثالثة.. الآن وفوراً

كنا نعرف ان النظام الذي نعيش فيه مولد محترف للكوارث والازمات، ورغم حالة الترقب التي نعيشها منذ 17 ت1 من العام الماضي، واشتداد الازمات اللبنانية الى ذروتها من الاقتصاد الى السياسة والاجتماع. لم يخطر في بال مواطن واحد، أن الكارثة ستنفجر من العنبر رقم 12 في “مرفأ بيروت”.
لا شيء أوضح من الوقائع. ثمة مواد خطيرة وقابلة للإنفجار جرى تخزينها عمدا في قلب العاصمة دون اكتراث للنتائج المدمرة المترتبة على هذه الخطوة_الجريمة.
يعني أن الناس يقودون سياراتهم كل صباح الى جانب “عنبر الموت” ويتوقفون في الازدحام المروري، يستمعون الى فيروز تغني للوطن، والحب والسهل والجبل، وانفاس ملاك الموت تحوم فوق اكتافهم.
يعني أنهم ينامون ويستيقظون في العاصمة ومحيطها ويتبادلون أحاديث المساء، وينظرون في عيون اطفالهم، فيما يتربص بهم الموت على شكل قنبلة موقوتة.

تلك الطرق الموصلة من قلب بيروت نحو الشرق والغرب والشمال والجنوب،موصلة الى الموت والدمار والتشرد. الى دماء بريئة سقطت، وحيوات عزيزة اهرقت، ومصائر لا نعلم عنها شيئا حتى الان.

الاهمال كلمة في المعجم اللغوي، لكنها اليوم جريمة موصوفة، وإعلان صريح عن فشل “الدولة الوطنية” التي نشأت قبل مئة عام.
هي تكثيف تراجيدي ونتيجة حتمية لنظام المحاصصة والواسطة والاهمال والفساد. منطق الاقطاعات والغيتوات في الدولة، تحت عناوين مختلفة. مرة بإسم حقوق الطوائف، ومرة باسم “الديموقراطية التوافقية”، وهذا اختراع لبناني محض من السهل تفكيكه. الديموقراطية نقيضة التوافق،والاجماع يطيح إسس العمل المؤسساتي.
أما حقوق الطوائف، فمن يرسم حدودها أمام حقوق الدولة والمواطنين؟ كيف نعرف الحد الفاصل بين حق الطائفة وحق الدولة؟ ومن يحمي الدولة ويقيم العدالة ويطبق القانون، اذا كانت الخطوط الحمر تطوقنا من كل جانب وتعرقل بناء الدولة المشتهاة كنوم مفقود بعيد.
في 17 ت1 إنفجر الشارع بغضبه وضعفه واحتقانه التاريخي بوجه النظام الذي لم نكن يوما مواطنين اسوياء في كنفه
وفي 4 أب إنفجر النظام بفساده وواسطاته واهماله ومحسوبياته وكل صلفه بوجه الناس.
الجمهورية الثالثة تنادينا بشروطها التاريخية وظروفها الموضوعية فلنعبر نحوها الان وفورا، ربما من خلالها نواسي اولئك الذين سالت دماؤهم واحلامهم على قارعة وطنٍ مستحيل. ونؤسس وطنا متحققا للمئة سنة المقبلة.

غسّان جواد

غسان جواد

صحافي وكاتب سياسي لبناني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى