سياسةملفات ساخنة

الشرع والزيدي: حقل ألغام التقارب

عامر علي - الاخبار

لم يتعامل الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، مع زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، باعتبارها محطّة بروتوكولية تشبه غيرها؛ إذ توجّه شخصياً إلى مطار دمشق لاستقبال ضيفه، ومن ثمّ رافقه إلى «قصر الشعب»، حيث ترأّس معه جلسة مباحثات موسّعة. وإذ تعكس هذه الحفاوة الأهمية التي توليها السلطات الانتقالية لفتح صفحة جديدة مع بغداد، فإن علاقة الشرع بالعراق لا تزال مُثقلة بالحساسيات والشكوك – بفعل ماضيه القريب فيه -، سواء لدى الجانب العراقي، أو حتى لدى بعض الفصائل التي اندمجت في الإدارة الجديدة.
وكان الشرع استبق الزيارة بمقابلة تلفزيونية مع قناة «دجلة» العراقية، سعى خلالها إلى تبديد مخاوف العراقيين، إذ حاول «تغليب المصالح الاقتصادية» على الإشكالات العميقة التي تَحكم العلاقة، والعائدة إلى ماضي الرجل الذي قاتل في العراق، وولادة تنظيمه (جبهة النصرة) من رحم تنظيم «داعش»، قبل أن ينفصل عنه، ويصل في نهاية المطاف إلى سدّة الحكم في سوريا.

وفي هذا الإطار، قدّم الشرع رواية مُنقّحة، نافياً مشاركته في قتل المدنيين أو في الصراع الطائفي على الأراضي العراقية، قبل أن يعلن تأييده «حصر السلاح في يد الدولة» في البلد الجار. كما تحدّث عن فرص استثمارية مشتركة، من تصدير النفط العراقي عبر الساحل السوري، إلى «استثمار الأراضي الزراعية الموجودة قرب الحدود السورية – العراقية»، والتي رأى أنها قادرة على إطعام ملايين الأشخاص.

وفي محاولة لإظهار «التوازن» ونفي «الشدّ العصبي والطائفي»، رحّب الشرع بالزوّار العراقيين الراغبين في زيارة المقامات المُقدّسة في سوريا، لكنه ربط ذلك بـ«تحسّن» الظروف الأمنية. ويُفهم هذا الربط بالنظر إلى استمرار نشاط تنظيم «داعش» من جهة، ووجود قوى متشدّدة تحظى بنفوذ كبير داخل السلطات الانتقالية من جهة أخرى.

وتَجسّد نموذج من مواقف تلك القوى فعلياً بُعيد وصول الزيدي، الذي زار «الجامع الأموي» ومقام «السيدة زينب»، معلناً عن تبرّع بقيمة 5 ملايين دولار للمقام، ومثلها للجامع، إذ انتقد الشيخ السعودي، عبد الله المحيسني، في منشور على منصة «إكس»، هذه الخطوة، معتبراً أنه لو كان الأمر بيده، لما أُقيمت زيارة رسمية إلى مكان تُمارَس فيه، وفق تعبيره، «أعمال من الشرك». ورأى أن حماية حقوق المواطنين الشيعة لا تستدعي خطوة من شأنها إضفاء «شرعية رسمية» على المكان وممارساته.
وعلى رغم الحفاوة الكبيرة التي أحاطت بالزيارة، لم يُعلِن الطرفان توقيع أيّ اتفاقيات أو مذكّرات تفاهم نهائية، إذ اقتصرت المخرجات المُعلنة على إعادة طرح مشاريع استراتيجية، في مقدّمها تأهيل خطّ كركوك – بانياس، والتحضير لمؤتمر اقتصادي مشترك، وتطوير طرق الترانزيت.

كما شملت ترتيب زيارة لوفد أمني عراقي، وتشكيل لجنة لدراسة استئناف الزيارات العراقية المُنظّمة إلى مقام «السيدة زينب»، وهو ما يجعل الزيارة أقرب إلى وضع إطار سياسي للتعاون ومحاولة لتجاوز العقبات، منها إلى إطلاق مشاريع محدّدة.

والجدير ذكره، هنا، أن العراق يستخدم حالياً الأراضي السورية لتمرير بعض شحناته النفطية، وهو ما بدأ أواخر آذار 2026. ففي ذلك الحين، منحت شركة «سومو» عقوداً لنقل نحو 650 ألف طن من الفيول شهرياً عبر معبر الوليد – التنف إلى منشآت بانياس، حيث يتمّ تفريغه في خزانات المصفاة، قبل ضخّه إلى المصبّ وتحميله على ناقلات بحرية لإعادة تصديره.

ولاحقاً، تحوّل هذا الترتيب، الذي انطلق كمرحلة تجريبية، إلى مسار مستمرّ ومتنامٍ، تحصل سوريا من خلاله على عائدات الترانزيت والخدمات اللوجستية. وبحسب تصريحات مسؤولين في «الشركة السورية للبترول»، خُصّص جزء من الفيول العراقي لتغذية بعض محطّات الكهرباء السورية، من دون إعادة تشغيل خطّ كركوك – بانياس حتى الآن.
في المُحصّلة، لا يمكن تلمّس أثر مباشر لزيارة الزيدي إلى دمشق حتى الآن، سواء بسبب استمرار الشدّ والاستقطاب الطائفيَّيْن من جهة، أو لوجود أصوات ذات ثقل في الداخل السوري تعارض الانفتاح الكامل على العراق، وتحاول قصره على بعض المكاسب الاقتصادية النفطية فقط، من جهة أخرى. وتُضاف إلى ذلك، الملفّات الأمنية المُعقّدة المرتبطة بأوضاع الحدود بين البلدَين، حيث لا يزال «داعش» يظهر من حين إلى آخر. ومن شأن كلّ تلك العوامل أن تجعل الانتقال من الحفاوة السياسية والتفاهمات الأوّلية إلى علاقة مستقرّة، محكوماً بقدرة الطرفَين على عبور «حقل الألغام» الذي يحيط بهذا التقارب.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى