
لا شيء ثابتاً، لا في الداخل ولا في الخارج؛ كأنّ كل شيء معيّر على فترة زمنية محدودة، فأياً كانت طبيعته باردة أو ساخنة أو فاترة، يحتل المشهد لبعض الوقت، لكنه سرعان ما يطرأ عليه أمر يغيّره ويدفعه في مسار آخر، وفي معظم الأحيان من دون أسباب موضوعية، حيث يعلو ويتصاعد ويرتفع إلى سقف عالٍ من التوتر والتهديد، وما يلبث أن يهبط وينخفض ويسلك مساراً معاكساً، يوحي بعمل جاد تغلب فيه إرادة التبريد على التصعيد.
هذا التناقض ينطبق على الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران التي لا تثبت على وجهة، ويكاد المراقب لمجرياتها لا يستطيع ان يحصي تقلّباتها وكمية حالات الهبوط والصعود التي شهدتها منذ اشتعالها، وصولاً إلى الأسابيع الاخيرة التي ارتفعت فيها إلى تصعيد ومواجهات خطيرة، ثم تبدّل مسارها وانخفض هذا التصعيد إلى أدنى مستوياته، ثم لتعود من جديد لتحكمها وتيرة عالية من التهديدات، توحي وكأنّ اشتعال الحرب من جديد بات قاب قوسين او أدنى، على ما هو حاصل في هذه الفترة، ربطاً بالتهديدات المتعالية من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي ذهب فيها إلى حدّ التلويح بمحو إيران. يعني ذلك عملياً وواقعياً، انّ كلّ الاحتمالات مفتوحة في هذا المسار.
وأما على المستوى الداخلي، فلا شيء ثابتاً في المشهد اللبناني سوى الإعتداءات الإسرائيليّة المتواصلة على المناطق الجنوبية، بالوتيرة اليومية ذاتها؛ غارات وقصف ونسف وتدمير وتجريف للقرى والبلدات، منذ إعلان اتفاق لوقف اطلاق النار، من دون أن نغفل المماطلة والتعقيد للمفاوضات المباشرة، والمحاولة الحثيثة من قبل إسرائيل لتفريغ الاتفاق الإطاري من مضمونه، منذ اللحظة الأولى لإعلان الاتفاق حوله. فيما الوضع السياسي في أعلى درجات التنافر والارتباك، أكان على مستوى القضايا الخلافية، او على مستوى العلاقات المأزومة إلى حدّ القطيعة الكاملة بين أطراف ومستويات سياسية ورسمية. أو على مستوى الحكومة التي لا تُحسد على وضعها، حيث بات يُسمع بوضوح ما يتردّد في المجالس والصالونات السياسية من كلام كبير «يستغيب» الحكومة بصورة عامة، على شاكلة «انّها لم ترق في أدائها إلى مستوى المرحلة وتحدّياتها السياسية وغير السياسية»، أو مصارحة غاضبة من جهات سياسية ممثلة في الحكومة، تجلد بعض وزرائها وضعفهم، وتقرّ بأنّها لم تُحسن الإختيار.
سلّة تحدّيات
الواقع الداخلي مضبوط على سلّة تحدّيات ضاغطة، في مقدمها مسار المفاوضات المباشرة، الذي تؤكّد الأجواء الرسمية أنّه كان ولا يزال يشكّل التحدّي الأكبر داخلياً، جراء ما يعتريه من تعقيدات إسرائيلية ومماطلات متعمّدة تفرمل هذه المفاوضات وتمنع تقدّمها، وتعطّل المندرجات التنفيذية للاتفاق الإطاري، ومن استهدافات واعتداءات واسعة النطاق، أخطر ما فيها استهداف الجيش اللبناني، والمحو الشامل للقرى والبلدات الجنوبية. كل ذلك يصعّب على الجانب اللبناني المشاركة في جولة جديدة من المفاوضات في روما أو غيرها من العواصم، لا يتأتى منها سوى الدوران في الحلقة المفرغة. وتبرز في الوقت نفسه الحاجة، وقبل أي حديث عن جولة مفاوضات جديدة، إلى إرادة ضاغطة على إسرائيل، ليس فقط للإيفاء بالتزاماتها، بل لإنقاذ المفاوضات والاتفاق الاطاري في آن معاً.
وبذات المستوى من الدقة والأهمية، يتبدّى التحدّي المطلبي في وجه الحكومة، سواء على مستوى موظفي القطاع العام، أو على مستوى بعض القطاعات الداخلية الذين يراكمون التحضيرات لحراكات مطلبية وإضرابات في المدى المنظور. على أنّ أكثر ما شغل الأوساط السياسية وغير السياسية على اختلافها، هو إبراز الحديث من زوايا سياسية متعددة، عن توجّه لتعديل حكومي وتغيير بعض الوزراء في المدى القريب.
قنبلة صوتية
المعنيّون بالحكومة لم يقدّموا تأكيداً للتعديل الوزاري أو نفياً له، فيما يبرز في المقابل توصيف لهذا الحدث، أطلقه مسؤول رفيع في ردّه على سؤال لـ«الجمهورية»: «من دون مقدّمات يطرحون التعديل الوزاري، وبالأمس القريب في جلسة المناقشة العامة في المجلس النيابي منحوا الحكومة ثقة متجددة، أمر عجيب يثير التساؤل بالفعل.. وخصوصاً انّ هذا الطرح هو كناية عن قنبلة صوتية أُلقيت على الحكومة، من داخل الحكومة».
وأوضح قائلاً: «التعديل الوزاري إجراء طبيعي معمول به سابقاً، ولكن إنْ كان التوجّه إلى تعديل او تغيير بعض الوزراء صحيحاً، فهل التوقيت الحالي والظروف الحالية ملائمة لذلك، فضلًا عن أنّه مهما كانت حجة المطالبين بالتعديل، يضرب الحكومة في معنوياتها، ويقدّم في الوقت ذاته خدمة جليلة للمعارضة، ويؤكّد صحة اتهاماتها للحكومة وبعض وزرائها، ولاسيما المرشحين للتغيير، بالتقصير والفشل، وانّهم لم يكونوا على قدر المسؤولية».
وتلاحظ مصادر مواكبة، انّ طرح إجراء تعديل حكومي وتغيير بعض الوزراء، تسرّب من جهة طرف أساسي مشارك في الحكومة، قرن ذلك بترويجات من قبل قنوات حليفة، تنسب لمسؤولين كبار استياءهم من وزراء محسوبين عليهم ومآخذ كبيرة على وزراء آخرين، وتتحدث في الوقت نفسه عن توجّه لدى فريق «الثنائي» لم يتمّ تأكيده، للتغيير على الأقل بوزير، وانّ الأمور ستُحسم بصورتها التعديلية والتغييرية الجديدة، بعد عودة رئيس الحكومة نواف سلام من نيويورك، حيث يترأس وفد لبنان إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة».
مما لا شك فيه، انّ هذا الطرح أحدث إرباكاً داخل الحكومة، ولاسيما لدى الوزراء الذين جرى التداول بأسمائهم كوزراء مشكو من أدائهم وتقصيرهم، مدرجين للتغيير، وتمّ تحديد بدلاء عنهم على أن يبتّ بأمرهم في جلسة يعقدها مجلس الوزراء في المدى القريب. وبحسب المعلومات، فإنّ بعض هؤلاء الوزراء عبّروا عن غضبهم مما سمّوه الغدر والاستهداف، وطالبوا مرجعياتهم بتوضيحات تؤكّد او تنفي ذلك. الّا انّ اللافت للانتباه في هذا السياق، كان مبادرة القنوات ذاتها التي روّجت لهذا التعديل والتغيير، إلى تغيير مسار ترويها السابق، والقول إنّ ما أثير في الأجواء الداخلية هو تغيير بعض الأسماء ليس صحيحاً».
على أنّ هذا الأمر، لا يبدو محل اعتراض لدى المعارضة، التي تؤكّد أجواؤها «انّ الحاجة ليست إلى تعديل او تغيير بعض الوزراء، بل المطلوب هو رحيل الحكومة كلها، والمجيء بحكومة بحجم المرحلة». وأكّد مصدر معارض لـ«الجمهورية»، أنّ «لا دخان من دون نار، وأغلب الظن، أنّ الحديث عن تغيير وزراء صحيح، وهذا بحدّ ذاته اعتراف من قبلهم بفشل فاضح أنكروه على مدى ولاية هذه الحكومة». وقال: «التغيير إنْ حصل، لا يعدو اكثر من ترقيع، وتغطية فشل، لن يؤدي بشكل من الأشكال إلى تصويب المسار».
هذا التطور أظهر على سطح المشهد سؤالاً عمّا اذا كان تغيير وزراء في الحكومة يتطلّب التصويت على الثقة بالوزراء من قبل مجلس النواب؟ والجواب ساقه مصدر نيابي بقوله: «إنّ حالات مماثلة حصلت سابقاً، لم يُصر خلالها التصويت على الثقة بالوزراء الجدد. علماً انّه لو تمّ الذهاب إلى هذا التصويت، فالثقة مضمونة بالوزراء الجدد، في ظل التركيبة الحالية للمجلس، ولكن وفقاً للحالات السابقة فقد لا تكون هناك حاجة للتصويت».
«القوات»
وكانت الدائرة الإعلامية في «القوّات اللبنانيّة» قد أصدرت بياناً قالت فيه: «إنّ ما يتمّ تداوله في بعض وسائل الإعلام، بإيعاز من قوى وتيارات سياسيّة معلومة، في ما يتعلّق بوزارة الطاقة، يأتي في سياق محاولة للتشويش على مواقف وزير الطاقة جو صدّي وحرف الأنظار عن جوهر المسألة، والمتمثّل بإصراره على أن تتحمّل الحكومة مسؤولياتها، ولا سيما لجهة تسديد المستحقات المتوجبة على الإدارات والمؤسسات الرسميّة لصالح مؤسسة كهرباء لبنان. كما يأتي هذا التشويش في محاولة للتغطية على إصرار الوزير على اعتماد التعرفة المتحرّكة، بما يسمح بزيادة ساعات التغذية، وبالتالي الحدّ من الكلفة الباهظة التي يتكبّدها المواطنون نتيجة الاعتماد على المولّدات الخاصة. وإذ تؤكّد «القوات اللبنانية» دعمها للخطوات الإصلاحية التي يقوم بها الوزير صدّي، والرامية إلى وضع قطاع الكهرباء على المسار الصحيح، فإنّها تشدّد على أنّ استمرار الحكومة في عدم تحمّل مسؤولياتها لا يمكن أن يكون مقبولًا أو قابلًا للاستمرار».
ترامب معجب بعون
على صعيد سياسي آخر، برزت أمس، لفتة بالغة الأهمية والدلالة في هذا التوقيت من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتجاه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، جرى التعبير عنها في رسالة تلقّاها الرئيس عون من الرئيس الأميركي أمس، عبّر فيها «عن سعادته باستقبال الرئيس عون في البيت الأبيض في 21 تموز الماضي، وعن إعجابه بقيادته لبنان في هذه المرحلة».
وجاء في الرسالة، التي أعلن عنها المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية: «كان شرفًا لي أن أرحّب بكم في البيت الأبيض في زيارة تاريخية بكل معنى الكلمة، هي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن. وفي وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعًا، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابةً عن لبنان وشعبه».
وشكر ترامب الرئيس عون «على منحه وسام الأرز الوطني من رتبة القلادة الكبرى»، وقال: «انّ هذه المبادرة تشكّل تكريماً استثنائياً وتجسّد الروح اللبنانية الأبية، وسأعتز بهذه اللفتة بوصفها رمزًا لالتزامنا المشترك بالسلام والأمن والازدهار حول العالم».
وختمت الرسالة: «وأكّد الرئيس ترامب انّ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترامب تشاركه في أفضل التمنيات له وللسيدة الأولى نعمت عون ولعائلته».
جنبلاط
وكان الرئيس عون قد استقبل في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يرافقه نجله رئيس الحزب التقدمي النائب تيمور جنبلاط والنائب وائل ابو فاعور. وكان اللقاء مناسبة تمّ فيها عرض آخر المستجدات في لبنان والمنطقة، على ضوء التطورات الراهنة. وقدّم جنبلاط للرئيس عون نسخة من كتاب مذكراته، الصادر تحت عنوان: «قدر في هذا المشرق، من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل».
وقال جنبلاط بعد اللقاء: «أعتقد إذا كانت الذاكرة جيدة، وهي جيدة، أني من هذا الموقع، منذ أشهر، قلت إنني أؤيّد المفاوضات، ولاحقاً قلت إنني مع إتفاق الهدنة. ولن أسترسل أكثر، فقط لأقول إنّ هذه المفاوضات نؤيّدها إذا ما أدّت إلى الانسحاب التدريجي او الكامل. هذا كل الموضوع. ودخلنا في سجالات في الصحافة وغير الصحافة. لكن الحمدلله، انّ سجالاتي ليست مثل سجالات المجلس النيابي التي شهدناها للأسف، وهي معيبة بحق لبنان».
ورداً على سؤال حول ما إذا كان طرحه لإتفاق الهدنة واقعياً، أجاب: «هذا موقفي الشخصي. وأقول إنّ اتفاق الإطار الذي صاغه رئيس البلاد مع مساعديه ومعاونيه، والذي وافق عليه الرئيس نواف سلام، إذا ما أدّى الى الانسحاب وترسيم الحدود، ما هو المشكل؟».
ورداً على سؤال آخر حول ما إذا كان مع المفاوضات، ويطالب بمقاربة مختلفة للإتفاق، أجاب: «هذه وجهة نظري، لا أكثر ولا أقل».
سلام
في نيويورك، التقى الرئيس سلام في مقر بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة، السيناتور الأميركية جين شاهين، وأكّد «التزام الحكومة ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها ومواصلة الإصلاحات»، مشدّداً على «أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش وتعزيز قدراته، وحشد الدعم للبنان في مسار التعافي وإعادة الإعمار». كما أشار إلى «ضرورة تفادي أي فراغ قد ينشأ مع انتهاء مهمّة «اليونيفيل»، مؤكّداً حاجة لبنان إلى استمرار وجود دولي في الجنوب».
كما التقى سلام رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، وشدّد الجانبان على «أهمية تكثيف الجهود لخفض التصعيد والحفاظ على أمن واستقرار دول الخليج والمنطقة وتجنيبها المزيد من المواجهات».



