أحوال الموحدين

السويداء تستعد للشتاء.. باللحاف بدل المازوت

غيداء الصفدي - موقع الراصد

قبل أن يطرق الشتاء أبواب محافظة السويداء، بدأ “رامي” يفتش في أرجاء منزله عن أي شيء يمكن أن يقي عائلته برد الجبل القارس.
رامي، مزارع من إحدى قرى ريف السويداء الجنوبي، يعيل أسرة صغيرة ويتحمل في الوقت نفسه مسؤولية والديه العاجزين، ويعرف جيداً ما يعنيه شتاء الجبل. في العام الماضي، استطاع أن يتدبر أمر التدفئة بعدما اضطر إلى اقتلاع ما تبقى من أشجار مشروع العنب الذي جفّ بفعل سنوات الجفاف، ليشتري بعدها نحو طن من الحطب ويؤمن لعائلته بعض الدفء.
أما هذا العام، فلا مشروع عنب بقي ليُقتلع، ولا أشجار يابسة يمكن تحويلها إلى حطب، ولا مال يكفي لشراء المازوت. يقول رامي:
> “في السنة الماضية دبرنا حالنا بأي طريقة، أما اليوم ما بعرف من وين رح أمن التدفئة. ما عندي حطب، وما ظل شجر بكرمي لأقلعو، والمازوت صار فوق قدرتي”.
>
لا حطب يكفي الشتاء
على مدى السنوات الماضية، اتجه كثير من المزارعين في السويداء إلى قطع الأشجار اليابسة وتحويلها إلى حطب للتدفئة في محاولة لتخفيف كلفة المحروقات. ومع تراجع مصادر الحطب، إلى جانب عمليات التحطيب والسرقة التي طالت الأحراج، بات الحصول على كمية كافية لتأمين شتاء كامل أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي القرى، ولا سيما في المنطقتين الجنوبية والشرقية، تبدو الحاجة أكبر؛ إذ قد تحتاج الأسرة الواحدة إلى نحو أربعة أطنان من الحطب خلال فصل الشتاء، بينما تحتاج الأسرة داخل المدينة إلى طن واحد على الأقل. ومع وصول سعر طن الحطب إلى نحو مليونين وثلاثمئة ألف ليرة سورية، تتحول التدفئة بالحطب بدورها إلى عبء مالي كبير على الأسر التي تعاني أصلاً من تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
المازوت.. خيار مكلف ومادة شحيحة
لم يعد المازوت خياراً سهلاً هو الآخر. فمع تشديد القيود على دخول المحروقات إلى السويداء، بالتزامن مع قرارات رفع أسعارها، وجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة معقدة: مادة شحيحة في السوق، وأسعار رسمية مرتفعة، وأسعار أكثر ارتفاعاً في السوق السوداء.
وبحسب الأسعار المعلنة، جرى رفع سعر البنزين 90 إلى 185 ليرة سورية، والبنزين 95 إلى 195 ليرة، والمازوت إلى 175 ليرة، فيما بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 1600 ليرة، والغاز الصناعي 2560 ليرة.
ونتيجة الاحتجاجات التي شهدتها المحافظات السورية بعد قرار رفع الأسعار، اتجهت الحكومة المؤقتة إلى تقسيم المازوت إلى ثلاث فئات:
* 115 ليرة: للمازوت المخصص للتدفئة وما شابه.
* 150 ليرة: للمازوت المحسن.
* 175 ليرة: للمازوت الأوروبي.
لكن السعر الرسمي لا يعكس وحده الكلفة الفعلية التي يتحملها الأهالي، في ظل شح المادة واحتكارها في السوق السوداء. وتحتاج الأسرة الواحدة إلى ما بين برميل وبرميلين من المازوت خلال الشتاء، ما يعني أن كلفة التدفئة قد تتراوح بين أربعة وثمانية ملايين ليرة سورية، بحسب الكمية وسعر الشراء.
بالنسبة لعائلة مثل عائلة رامي، التي يعتمد دخلها بشكل أساسي على الزراعة، لا تبدو هذه الأرقام مجرد حسابات اقتصادية، بل سؤالاً يومياً ضاغطاً عن كيفية تأمين الطعام والتدفئة في الوقت نفسه.
الكهرباء ليست بديلاً
حتى الكهرباء، التي كان يمكن أن تشكل بديلاً عن المازوت والحطب، لم تعد خياراً متاحاً بسهولة. فقد أدى ارتفاع قيم الفواتير إلى جعل التدفئة الكهربائية عبئاً إضافياً، بعدما باتت بعض الفواتير تصل إلى ملايين الليرات، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر تحمله في ظل رواتب ودخول لم تعد تكفي سوى لتأمين الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب.
وهكذا تضيق الخيارات أمام الأهالي: المازوت مكلف وشحيح، والحطب يتناقص ويرتفع سعره، والكهرباء والغاز أصبحت باهظة الكلفة. ويبدو أن ما يملكه الناس فعلياً اليوم هو فقط ما يمكن ارتداؤه أو التغطي به؛ حيث تتحول الألحفة والملابس الشتوية الثقيلة وإغلاق النوافذ والأبواب إلى الوسائل الأكثر واقعية للتدفئة بالنسبة لعائلات لم تعد قادرة على تحمل كلفة الوقود.
أزمة أخرى خلف الأبواب.. العائلات المهجّرة
لا تتوقف أزمة التدفئة في السويداء عند السكان المقيمين، إذ تواجه مراكز الاستضافة والعائلات المهجّرة تحدياً أكبر مع اقتراب فصل الشتاء.
وفق أرقام نشرها مدير مراكز الاستضافة، أشرف منذر، أدت أحداث تموز/يوليو 2025 إلى تهجير أكثر من 23 ألف عائلة من قراها، غادر قسم منها إلى دول الاغتراب، فيما استقر آخرون في مدن وقرى الجبل. وتشير آخر البيانات إلى بقاء 17,680 عائلة مهجّرة داخل السويداء، موزعة على ثلاث مدن رئيسية و72 قرية.
يتمركز العدد الأكبر من المهجرين في المناطق التالية:
* مدينة السويداء: تستضيف نحو 10,434 عائلة.
* مدينة شهبا: 2,581 عائلة.
* بلدة قنوات: 616 عائلة.
* بلدة عتيل: 572 عائلة.
* بلدة الرحى: 418 عائلة.
* بلدة رسّاس: 338 عائلة.
* بلدة الكفر: 304 عائلات.
* مدينة صلخد: 215 عائلة.
* قرى أخرى: أعداد متفاوتة في عشرات القرى.
توضح هذه الأرقام أن الاستعداد للشتاء لا يتعلق فقط بتأمين التدفئة لعائلة أو اثنتين، بل باحتياج واسع لمئات الآلاف من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام شتاء جديد بعيداً عن منازلهم.
أكثر من 21 ألف طن من الحطب
بحسب دراسة احتياج شتاء 2026 للعائلات المهجّرة، تستهدف خطة التدفئة 17,680 عائلة على مدى 120 يوماً، تبدأ في 15 تشرين الثاني/نوفمبر وتستمر حتى 15 نيسان/أبريل.
* الحاجة اليومية للأسرة: تُقدّر بنحو 10 كيلوغرامات من الحطب.
* الحاجة اليومية الإجمالية: تصل لجميع العائلات إلى نحو 176.8 طناً.
* الاحتياج الإجمالي للموسم: يبلغ نحو 21,216 طناً من الحطب.
* التكلفة المالية: مع تقدير سعر طن الحطب بما بين 200 و300 دولار، تتراوح الكلفة الإجمالية المقدرة لتأمين الاحتياجات بين 4.24 ملايين و6.36 ملايين دولار.
أرقام تعكس حجم الأزمة المتوقعة حتى قبل أن يبدأ الشتاء فعلياً.
شتاء على الأبواب
أمام هذه المعطيات، تتأهب السويداء لشتاء لا يشبه فصول الشتاء السابقة. فالبرودة الشديدة التي اعتادها سكان الجبل لم تعد هي المشكلة الوحيدة، بل المشكلة الأكبر هي غياب القدرة على مواجهتها.
رامي، الذي كان في العام الماضي يقتلع من أرضه ما تبقى من أشجار مشروعه ليحرقها في المدفأة، لا يملك اليوم حتى هذا الخيار. وفي الوقت الذي تحاول فيه كل أسرة حساب ما لدييها من حطب وما تستطيع شراءه من مازوت، تنتظر آلاف العائلات المهجّرة حلاً شاملاً يتجاوز قدرة الأفراد، بعد أن أصبح تأمين التدفئة بالنسبة إليها احتياجاً إنسانياً عاجلاً.
ومع بقاء أقل من شهرين على دخول فصل الشتاء، يظل السؤال المعلق لدى أهالي السويداء وقراها: ماذا سنحرق هذا الشتاء لنشعر بالدفء؟

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى