“إعتداء تلفيتا”.. حلقة في مسلسل انتهاكات وتجاوزات عناصر سلطة دمشق

أفادت مصادر محلية في ريف دمشق باعتقال عنصر تابع لوزارة الدفاع، يُدعى «محمد أحمد مخيبر»، على خلفية اتهامه بالتورط في حادثة اعتداء طالت طفلاً في بلدة تلفيتا. وكانت عائلة المتهم قد أعلنت في بيان علني تبرؤها الكامل منه، مؤكدة أن ما جرى تصرف فردي لا يمثلها ولا يمت إلى قيمها بصلة.
ولا تبدو هذه الحادثة، في ضوء الوقائع المتراكمة خلال الفترة الماضية، مجرد واقعة معزولة أو انحرافاً فردياً عابراً، بل تأتي ضمن مشهد أوسع من الانتهاكات والتجاوزات المنسوبة إلى عناصر الأجهزة والقوى التابعة لسلطة دمشق. فغياب الرقابة الجدية، وضعف المحاسبة، وتحويل الولاء التنظيمي إلى مظلة تحمي المتجاوزين، كلها عوامل أسهمت في تكريس بيئة أمنية تسمح بتكرار الانتهاكات بحق المدنيين.
وتكشف الواقعة مجدداً عن فشل السلطة القائمة في فرض الانضباط داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية، وعن اتساع الفجوة بينها وبين المجتمعات المحلية التي يفترض أن تكون هذه المؤسسات مسؤولة عن حمايتها. فعندما يتحول بعض المنتسبين إلى أجهزة الدولة إلى مصدر خوف للمدنيين، تصبح المشكلة أبعد من سلوك فردي، وتمسّ بنية السلطة وآليات الرقابة والمساءلة فيها.
كما أن تكرار الوقائع المرتبطة بالعنف والانتهاكات، وفق ما توثقه مصادر وتقارير وشهادات متداولة، يطرح أسئلة جدية حول البيئة الفكرية والسياسية التي يجري على أساسها بناء هذه المؤسسات. وقد تركت المرجعيات الدينية المتشددة، ومن بينها القراءات المتشددة لبعض تراث ابن تيمية، أثراً واضحاً في الخطاب والممارسة لدى تيارات وشخصيات نافذة في المشهد السوري الجديد، وهو ما يجعل من الضروري مساءلة العلاقة بين هذا الإرث الفكري وبين السياسات والممارسات التي تُفرض على المجتمع.
إن اعتقال المتهم، إذا ثبتت التهم المنسوبة إليه، لا ينبغي أن يكون نهاية القضية، بل بداية لمساءلة أوسع: من يراقب عناصر السلطة؟ ومن يحاسبهم؟ وهل تمتلك مؤسسات دمشق الإرادة الحقيقية لفرض القانون على أفرادها، أم أن المحاسبة لا تبدأ إلا بعد أن تتحول الانتهاكات إلى فضائح يصعب احتواؤها؟
فالسلطة التي تعجز عن حماية طفل من أحد المنتسبين إليها، ثم تكتفي باعتقاله بعد وقوع الجريمة، لا تواجه مشكلة فردية فحسب؛ بل تواجه أزمة عميقة في مفهوم الدولة وسيادة القانون والمساءلة.



