“واقعة ريف إدلب” تكشف طبيعة المنظومة الأخلاقية للسلطة الحاكمة

وثّقت كاميرات المراقبة في بلدة الفوعة بريف إدلب مشهداً هزّ أوساط المدنيين، حين أقدم رجل مسن يبلغ من العمر نحو سبعين عاماً على التحرش بطفلتين صغيرتين داخل أحد المحال التجارية. وبحسب التسجيلات المتداولة، انفرد الرجل بإحدى الطفلتين وأقدم على تقبيلها في فمها، ظناً منه أنه خارج نطاق الرقابة، لتنفجر الأم غاضبة وتنهال عليه بالصراخ والشتائم، قبل أن تخرج إلى الشارع منادية الأهالي لمشاهدة ما جرى.
اللافت في الواقعة أن الفاعل، كما يبدو من التسجيل، رجل في السبعين من عمره، أي أن الطفلتين قد تكونان في عمر أحفاده، وهو ما يضاعف من بشاعة المشهد. غير أن الأكثر إثارة للانتباه هو موقع الحادثة نفسها؛ إذ تقع بلدة الفوعة ضمن مناطق سيطرة سلطة الأمر الواقع في دمشق، التي يتولاها قادة ينحدرون من التيار السلفي التكفيري، ممن كان لغالبيتهم ارتباطات وثيقة بتنظيم “داعش”.
هذه الحادثة، التي لم تكن الأولى من نوعها في مناطق سيطرة السلطة الجديدة، تطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المنظومة الأخلاقية التي تُدار بها هذه المناطق. ففي الوقت الذي يرفع فيه هؤلاء شعارات التدين والالتزام، ويكفرون كل من يختلف معهم في الرؤى، تفضح كاميرات المراقبة واقعاً مغايراً؛ واقعاً يتناقض مع الخطاب الديني الذي يروج له، ويكشف عن أخلاقيات تتنافى مع أبسط معايير الحماية الطفولية.
ما جرى في الفوعة ليس مجرد حادثة فردية، بل يعكس خللاً هيكلياً في المنظومة الفكرية التي تقود هذه السلطة. فالمشهد المتكرر لانتهاك حرمات الأطفال في مناطق نفوذها، يؤكد أن الخطاب السلفي التكفيري، بقدر ما يمارس القمع السياسي والعقائدي، فإنه يفشل في بناء مجتمع قادر على حماية أضعف فئاته. إنها مفارقة صارخة: من يفرضون وصايتهم على الناس باسم الدين، يعجزون عن ضبط سلوكيات من ينتمون إلى فكرهم ذاته.
ومع تنامي هذه الوقائع، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لمن يدّعون قيادة سوريا تحت راية الدين، أن يغضوا الطرف عن جرائم كهذه؟ أم أن الأمر برمته ليس أكثر من قناع يخفي وجه السلطة الحقيقي.
في النهاية، تبقى كاميرات المراقبة شاهدة على واقع لا تستطيع الدعوات الدينية تزييفه، وهي تفضح، في مشهد تلو الآخر، التناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال في مناطق سيطرة سلطة دمشق الجديدة.



