فايننشال تايمز: هل يدفع فشل واشنطن في إيران إلى تغيير طريقة شن الحروب؟

تطرح الباحثة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، جاكلين شنايدر، في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» في 12 آب/أغسطس 2026، سؤالا حول ما إذا كان الأداء الأمريكي في الحرب مع إيران سيدفع واشنطن إلى إعادة النظر في الطريقة التي تخوض بها حروبها مستقبلا. وتشغل شنايدر منصب زميلة أبحاث في معهد هوفر ومديرة مبادرة الألعاب الحربية ومحاكاة الأزمات، وتركز أبحاثها على التكنولوجيا والأمن القومي والابتكار العسكري.
عند اندلاع الحرب بمشاركة إسرائيل في نهاية شباط/فبراير، ساد اعتقاد بأن الجيش الإيراني والنظام السياسي في طهران لن يصمدا طويلا أمام التفوق العسكري الأمريكي، خصوصا مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والذخائر الدقيقة وحاملات الطائرات والطائرات الشبحية. لكن مسار الأشهر الستة الأولى أظهر فجوة بين التفوق العملياتي وتحقيق النصر السياسي والاستراتيجي.
نفذت الولايات المتحدة أكثر من 13 ألف غارة، ودمرت قسما كبيرا من القوات الجوية والبحرية الإيرانية، واغتالت المرشد الأعلى وعددا من قيادات الحرس الثوري، وفرضت حصارا على الموانئ. كما تعرض الاقتصاد الإيراني لضربة قاسية، وسط تضخم ونقص في الموارد وتقديرات لتكاليف إعادة الإعمار تتراوح بين 200 و300 مليار دولار.
ورغم ذلك، لم تحسم الحرب. فقد بقي المتشددون في موقع السلطة، فيما لا يزال مصير البرنامج النووي الإيراني غير واضح، وتعطلت مفاوضات وقف الأعمال العدائية، واستمرت الهجمات الصاروخية الإيرانية على القوات الأمريكية وحلفائها، بالتوازي مع استمرار المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وتشير شنايدر إلى أن الكلفة الأمريكية كانت كبيرة أيضا، إذ قتل 18 أمريكيا وأصيب 624 آخرون على الأقل، فيما فقدت أو تضررت 42 طائرة، بينها مقاتلات إف-15 وإف-35 وطائرة إي-3 وأكثر من 20 طائرة ريبر. وبلغت كلفة العمليات نحو 37.5 مليار دولار، مع حاجة وزارة الدفاع إلى 67 مليار دولار إضافية لإعادة بناء المخزونات، فضلا عن احتمال إنفاق مليارات أخرى لإصلاح المنشآت المتضررة في المنطقة.
وتبرز الكلفة الاقتصادية أيضا داخل الولايات المتحدة. فقد قدر كبير الاقتصاديين في «موديز أناليتكس» أن الأسرة الأمريكية العادية قد تتحمل نحو ألف دولار من تبعات الحرب، سواء عبر الضرائب المرتبطة بالإنفاق العسكري أو من خلال ارتفاع أسعار الوقود.
أما سياسيا، فلا تبدو الحرب حتى الآن قد أحدثت ردة فعل شعبية واسعة، رغم أن استطلاعات الرأي تظهر معارضة غالبية الأمريكيين للحرب مع إيران، بما في ذلك ارتفاع نسبة الرافضين لها بين مؤيدي الرئيس دونالد ترامب. ولم تشهد الولايات المتحدة احتجاجات جماهيرية أو موجة استقالات عسكرية، فيما بقيت تداعيات بعض الخسائر البشرية محدودة الحضور في الرأي العام.
وترى شنايدر أن المشكلة لا تتعلق فقط بنتائج الحرب، بل أيضا بنموذج الحرب نفسه. فالجيش الأمريكي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الذخائر الدقيقة مرتفعة الكلفة والطائرات الشبحية والمدمرات، بينما تركز الأنظمة غير المأهولة على تقليل الخسائر البشرية أكثر من خفض الكلفة أو تطوير مهام عسكرية جديدة. كما تواصل القاعدة الصناعية الدفاعية إنتاج برامج تسليح ضخمة يصعب توسيعها أو تكييفها بسرعة.
وقد يكون الاختبار السياسي الأبرز في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر، لمعرفة ما إذا كان الناخبون سيحمّلون الجمهوريين كلفة قرار خوض الحرب. فإذا غابت العقوبة الانتخابية، ترجح شنايدر أن يبقى تغيير العقيدة العسكرية الأمريكية محدودا، وأن ينتقل عبء استخلاص الدروس إلى العسكريين والمحاربين القدامى.
وتستحضر الكاتبة تجربة قدامى المحاربين في فيتنام، الذين ساهموا لاحقا في إعادة تشكيل الجيش الأمريكي، من خلال بناء قوة متطوعين بالكامل وتغيير مفهوم النصر العسكري. لكن السؤال الذي تتركه حرب إيران مفتوحا هو ما إذا كان الرأي العام الأمريكي سيطالب هذه المرة بمراجعة طريقة إدارة الحروب، أم أن التفوق العملياتي سيظل كافيا لتبرير نموذج عسكري مكلف لم يثبت حتى الآن قدرته على إنتاج نصر استراتيجي حاسم.



